م. شبيب المغيري يكتب: صرخة نفسية، ماذا تعرف عن مرض العباقرة؟ (2)

م . شبيب بن سالم بن خليفة المغيري

الاضطراب الوجداني ثنائي القطبي مرض نفسي يتميز بدخول المريض في نوبات دورية من الاكتئاب والهوس ….. وتتميز نوبة الهوس بنشاط زائد للمريض سواء بكثرة حركة المريض وكثرة كلامه وانبساط مزاجه وقلة نومه واحساسه بالقدرة على فعل أشياء كثيرة في الوقت نفسه.

وفي أحيان يأخذ هذا الهوس صورة دينية فتكون بداية النوبة على شكل زيادة مفرطة في العبادات فيمكث المريض يصلي طوال الليل….. أو يقرأ القرآن لساعات طويلة وقد تلبس المريضة أثناء النوبة النقاب وقد يطلق المريض لحيته ويلبس القميص القصير ويتحدث كلاما كثيرا بالقرآن والأحاديث مع شعور بالعظمة فيتحدث عن كرامات تحدث له أو فتوحات في فهم القرآن وتفسيره وقد يصعد بعضهم الى المواصلات ليدعو الناس فيتحدث فيما يتصوره الناس دينا وهو يتحدث بكلام غير مترابط أو تتطاير أفكاره ويقفز من فكرة الى فكرة وقد يخرج أحدهم مسافرا الى شيخه ليحضر مولد أحد الاولياء أو ينخرط في جلسات للذكر الجماعي ليدخل في حالة من الانفعال الشديد نتيجة اندماجه في الذكر وربما يشعر أنه صاحب رسالة ومطلوب منه تبليغها أو يشعر أن هناك أسرارا خاصة قد تفتحت أمامه والاخطر في الالتباس على التمييز ما يسمى بحالة الهوس الخفيف حيث يستطيع المريض مع وجود هذه الافكار الدينية أن يقوم بعمله ويتفاعل مع الناس بما لا يجعله مكشوفا بالنسبة لهم وخاصة في بدايات المرض حيث يبدو الأمر حالة من التدين والالتزام التي قد تحدث لأي شخص عادي خاصة وأن هؤلاء الأشخاص قبل المرض يكونون غير متدينين …….

ويصبح السؤال الصعب هنا هو كيف نفرق بين المظاهر الدينية العادية وبين مظاهر الهوس الديني؟ …… وتكمن صعوبة السؤال في أنه في ظل انتشار ما أسميه بالتدين العشوائي القائم على التمسك بالمظهر دون الجوهر وبالطقوس دون الآثار الحقيقية للتدين على سلوك البشر ومع شيوع الخطاب الديني العشوائي أيضا الذي يكرس هذه الحالة في المجتمع …. فإن التفريق بين الحالة المرضية العقلية والحالة المرضية الاجتماعية يكاد يكون مستحيلا لأن مظاهر التدين العشوائي في الحقيقة تمثل مرضا اجتماعيا ربما يكون أخطر من المرض العقلي في آثاره على الفرد والمجتمع …. ومن المفترض أن هذه الاعراض تكون خارج السياق الطبيعي ….. والطبيعي هنا هو مالا يعطل وظيفة الفرد العملية والاجتماعية ….. فهناك اتفاق عام على أن تدين الانسان يكون قوة دافعة له في حياته فغاية وجود الإنسان هي اعمار الارض وبالتالي فان كل ما يعطل وظيفة الانسان يكون مرضا يحتاج للعلاج سواء نفسيا أو اجتماعيا ….. هكذا بكل وضوح وحسم وبدون مواربة أو مجاملة …….

الاعراض الذهانية ذات الصبغة الدينية : والمقصود هنا هو الاعراض الايجابية الذهانية مثل الضلالات والهلاوس ….. والضلالة هي اعتقاد أو فكرة يؤمن بها صاحبها تماما لكنها غير مقبولة عند من هم في مثل سنه أو تعليمه أو بيئته والهلاوس هو إدراك بأحد الحواس دون وجود مؤثر ويغلب وجود الضلالات والهلاوس مع مرض الفصام لكنها قد تصاحب الاضطراب الوجداني في بعض الاحيان . وأشهر الضلالات الدينية هي ضلالات العظمة حيث يعتقد أحدهم أنه المهدي المنتظر وأنه قد جاء لانقاذ العالم وأنه صاحب رسالة ومعجزات ومن كثرة انتشار هذه الضلالة كان هناك سبعة من المرضى في وقت واحد في القسم الذي أعمل به في المستشفى يدعون أنهم المهدي المنتظر …. وقد يتواكب ذلك مع هلاوس سمعية ( أصوات يسمعونها ) تبشرهم بهذه الرسالة أو تأمرهم بأفعال معينة وقد يعتقد البعض الآخر من المرض أنه ‘ الله ‘ ويعتقد البعض أنه النبي صلى الله عليه وسلم والبعض الآخر يرى أنه المسيح وقد يرى بعضهم الملائكة فيما نسميه الهلاوس البصرية وقد يرى بعضهم الجن والشياطين بصورة مجسمة أو على هيئة صور على الحائط وفي الغالب يواكب ذلك ضلالات الاضطهاد من قبل من يرفضون رسالتهم فهناك من يحيك لهم المؤامرات للقضاء على رسالتهم وقد تكون المخابرات الامريكية والاسرائيلية على علم بخطورتهم فيشعرون بالمراقبة والمتابعة من قبل هذه الاجهزة وقد يدركون الامور بشكل يتوافق مع ضلالاتهم فيرون فى القرآن اشارات تدل على رسالتهم وعلى التبشير بهم وقد يتصورون أن هناك إشارات في برامج التليفزيون أو إيماءات لتوصيل رسائل معينة منهم أو اليهم وكل ذلك من منطلقات دينية …… وقد لا يكون أحدهم يصلي أو يصوم أو ربما لم يستحم منذ شهور وهو يدعي هذه الرسالة أو هذه الصلة بالله . ربما يكون هذا النوع من الاضطراب أسهل في تمييزه ولكن نقطة الالتباس هنا أن البعض يعزي هذه الاعراض الى مس الجن أو العفاريت خاصة إذا كان الامر مصحوبا بالهلاوس السمعية حيث يصبح مؤكدا لدى العامة أن هذه الاصوات هي صوت الجان أو أن ادعاء الشخص بكونه الاله أو النبي هو مس من الشيطان وذلك ناتج عن الجهل الشديد بالأعراض الذهانية وغياب الثقافة النفسية الصحيحة حيث إن هذه الاعراض يتم علاجها بمضادات الذهان وهي أعراض موجودة عند كل مرضى الذهان في كل أنحاء العالم ….. لكنه الهروب من وصمة المرض العقلي وإنكار لاصابة الاخ / أو الابن بالمرض يكون بالذهاب الى عالم الغيب للبحث عن تفسير لهذه الاعراض المرضية .

  • تجربة عمانية مع الاضطرب الوجداني ثنائي القطب :

يقول أحدهم ممن ابتلاهم الله بهذا المرض إن سنة 2010م :- كانت سنة مفصلية في حياتي حيث زارني المرض نتيجة صدمة قوية في موقع العمل وأنا المعروف عني الاجتهاد والتفوق الا ان الصدمة التي تعرضت لها كانت من المثيرات التي ساعدت على ظهور المرض وطفوه على السطح فدخلت في غيبوبة مدة أسبوع فظن أهلي بأني تعرضت للعين او السحر حيث لم يفهموا ماذا حصل لي فجأة وانا الموظف النشيط والشخص المرح الحيوي … المهم بعد استيقاظي من تلك الغيبوبة صرف والدي علي قرابة 5000 ريال عماني في سبيل علاجي العلاج التقليدي الا اني في الحقيقة كنت في نوبة اكتئاب شديدة تلتها نوبة فرح شديدة جدا مصحوبة بعدة اعراض فكانت صحبتي ممتعة بالنسبة للجميع الا ان الامر تعدى ذلك فظهرت اعراض خطيرة علي كقيادة السيارة بجنون وسماع الموسيقى بصوت عال جدا الى ان حدثت لي حوادث سير عدة أفضت الى دخولي السجن نتيجة لذلك الا اني خرجت بعدما تبين اصابتي بالمرض النفسي ، كما قمت بشراء كتب بقيمة 300 ريال والبذخ وشراء أمور غير ضرورية… انتبه احد اقربائي ممن يحملون مرض الاضطراب الوجداني ثنائي القطب فأشار الى اسرتي بضرورة عرضي على دكتور نفساني لاسيما وفق تجربته أن الاعراض تشير الى ظهور مرض الاضطراب الوراثي … وكان ان اتفقت الاسرة على عرضي على دكتور في مستشفى جامعة السلطان قابوس على مضض وقوة لان المريض لا يقتنع بأنه مريض في ظل غياب الوعي الإعلامي والاجتماعي بهذا النوع من الامراض المزمنة وضعف سياسية التثقيف الصحي حياله … اليوم انا أحد المهتمين بنشر سياسة التثقيف والوعي حول مرض العباقرة ( البايبولر) .

تابع الجزء الأول:
http://bit.ly/2n6ScBj

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock