د. عبدالله باحجاج يكتب: البيضاني .. واستدعاؤه عمان التاريخية

أثير- د.عبدالله باحجاج

البيضاني هو الأستاذ الدكتور ابراهيم سعيد البيضاني الامين العام للاتحاد الدولي للمؤرخين ، عراقي الاصل ، وقد أثار في مؤتمر علاقات عمان بدول المحيط الهندي والخليج خلال القرون (17،18،19) جدلا سياسيا رفيع المستوى ، وفتح نقاشا من أوسع ابوابه ، لكنهما أي الجدل والنقاش لم يلاقيا المساحة الحوارية الكافية رغم اهميتهما ، وهما يشكلان من وجهة نظري جوهر فتح التاريخ المشترك بين بلادنا ودول المحيط والخليج .

ففي إحدى منصات هذا المؤتمر الذي عقد مؤخرا في الكويت ، تساءل البيضاني ، لماذا لم تكن عمان في القرن (20) مثلما كانت عليه في القرون ( 17، 18، 19 ) ؟ وقد طرح هذا التساؤل بعد أن تجلت له في لحظة استدعاء عمان التاريخية في عهدي اليعاربة والبوسعيديين من خلال (45) ورقة بحثية من قبل باحثين وأكاديميين وتاريخيين عمانيين وعرب واجانب ،  ولمدة ثلاثة ايام – صباحا ومساءً – تجلت له عمان كأكبر دولة اقليمية مؤثرة في السلم ولاستقرار الاقليمي ، دون منازع .

حتى أن بعض الباحثين استوقف الفكر البحثي في المؤتمر بعمانية وانفرادية مصطلح الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، وفند بان هذا المصطلح حقا عمانيا وليس بريطانيا ، وتساؤله قد جاء بعدما انبهر البيضاني بدور عمان التاريخية ، وامتداداتها وتحملها مسؤولية الامن والاستقرار في المحيط الهندي والخليج ، وكذلك دورها في ازدهار الفضاءين الهندي والخليجي تجاريا واخلاقيا .

·       الجوانب الروحية والمادية لعمان التاريخية .

 تعمقت الاوراق البحثية للمؤتمر سالف الذكر في علاقات عمان التاريخية بدول المحيط الهندي والخليج ، فبينت بجلاء دور التجار العمانيين في اقامة علاقات تجارية وسياسية وحضارية ، ومنها نشر الاسلام في دول المحيط الهندي في القرن (17- 19م) ، وابرزت أهمية التواصل بين عمان ودول المحيط الهندي والخليج ، واثرها في تقوية العلاقات العائلية والاهلية بين شعوب ودول الخليج ، وتحديد دور حركة القبائل العمانية واثرها على الترابط الاسري والعادات والتقاليد بين دول الخليج .

كما تناولت كذلك العلاقات السياسية بين عمان وبلاد فارس في عهد الامام أحمد بن سعيد – 1744، 1782م – وكذلك الدور العماني في البحرين لمواجهة الاخطار الفارسية  ” طبعا البحرين التاريخية وليست فقط البحرين المعاصرة – والصراع العماني البرتغالي في السواحل الهندية والمحيط الهندي من منتصف القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ، ودراسة علاقات عمان بمشيخات الساحل بين الثبات والتغير ، وبحث في دور الديموغرافيا العمانية وانتشارها داخل الفضاءين الهندي والخليجي ..الخ

فمن خلال فتح التاريخ المشترك لعلاقات عمان بدول المحيط والخليج ، يرى البيضاني في استمرارية عمان التاريخية خلال القرن العشرين ، الضمانة للاستقرار في الفضاءين ، والضمانة لديمومة مصالح كل دولة ، لأنها قوة ليست قهرية أو تسلطية أو نفعية ، تفرض اجندتها على الاخرين ، أو تقصيهم  بسبب الاختلاف معهم ايديولوجيا أو سياسيا.

 

 وانما كانت تؤسس لمجموعة مصالح متبادلة ، ومتعايشة ، وقد جعلت منها جغرافيتها – الجيوسياسية – محطة ترانزيت على مفترق طرق التقاء الشرق والغرب ، بحكم موانئها ، حتى كانت صحار توصف بانها ( بوابة الصين ) نظرا لما يتميز به ميناؤها بالمنتجات الصينية ، وانطلاقا كذلك ، من الموانئ التي استأجرتها عمان  من دول المحيط الهندي كبندر عباس وشهبار ،  وما كان يقوم به النواخذه العمانيون والاسطول العماني البحري في ازدهار حركة التجارة الاقليمية والعالمية ، وتأمينها خدمة لمصالح كل الاطراف .

وهو بذلك يقارن بين نتائج القوة التاريخية العمانية ، بنظيراتها الاقليمية المعاصرة ، فتمنى الرجل لو أن عمان التاريخية ، لا تزال قائمة بكل نفوذها وامتدادها وهيمنتها ، لاستمرارية القيم والمبادئ التي اطرت وحكمت العلاقات بين دول المحيط الهندي والخليج ، بعد ان تمكن العمانيون من طرد الاستعمار البرتغالي من المحيط الهندي والخليج ، ولما شهد هذان الفضاءان الاخيران حروبا وصراعات معاصرة .

·       مدى استفادة المحيط والخليج من التاريخ المشترك ؟

إن تجدد الصراعات والتوترات بين أكثر من دولة ، يعني أن الانظمة القائمة ، لم تستفد من تاريخها المشترك ، ويعني كذلك ، انها تتعاطى مع حاضرها من منظور عقلها السياسي المجرد ، دون الاخذ بعين الاعتبار هذا التاريخ ، وبالتالي الى أي مدى استفادت دول المحيط الهندي والخليج – عربه وفرسه وهنوده – من أحداث القرون ” 17، 18 ، 19 “؟

والتساؤل الاخير ، نطرحه  تعضيدا لتمنيات البيضاني الذي يشكل شغلنا الشاغل  الان  بعد أن اطلعنا على التاريخ المشترك لهذه الدول، وهنا سنجد الفارق الكبير بينها وبين بلادنا ، فمن استلهامات التاريخ المشترك الذي خرجت منه تمنيات البيضاني ، جاء ثامن سلاطين البوسعيد، جلالة السلطان قابوس بن سعيد المفدى حفظه الله ورعاه ، مستوعبا للتاريخ المشترك لبلاده في اطار الفضاءين الهندي والخليجي بكل مفاصله التاريخية ، حروبه وصراعاته ، وسلمية علاقاته ، وجيولبتكية بلاده ، واستشرف آفاقه المعاصرة .

 فعمل جلالته جاهدا على تحصين حكم دولة داخل حدود سيادية معترف بها من كل الجيران اولا ، ومن مختلف انحاء العالم ثانيا ، ثم رسخ اركان هذه الدولة داخل حدودها الترابية ، وفق مؤسسات مركزية واللامركزية ،  وحول الصراع فيها الى استقرار ، والفوضى والقتال الى سلام وامن ، وانشغل بتنمية مجتمع عانى من ثلاثية التخلف – الفقر والجهل والمرض- .

وأدار التعدد والتنوع الفكري والايديولوجي والاجتماعي للديموغرافية العمانية ، من نفس منظور العيش المشترك التاريخي الذي يحق للفرد والجماعة ممارسة حياته الطبيعية بمعتقداتها في اطار احترام الآخر بكل مكوناته وحمولاته ، بصورة متبادلة. ، وصل هذا العيش المشترك الى حد الانصهار المذهبي ، فراينا مصاهرات تؤسس بين كيانات مختلفة ، هي في خارجنا ، تسال بينها الدماء ، بينما في بلادنا عيش مشترك في اطار الحياة الزوجية الواحدة ، وليس فقط داخل الدولة .

 وهنا تنطبق مفردة العيش المشترك – وليس التعايش المشترك – بين مختلف المكونات الفكرية والثقافية داخل مجتمعنا دون اية حساسية أو موقف اجتماعي سلبي منها ، وهذا وراءه تعزيز لتاريخية العيش المشترك للدولة العمانية التاريخية – وقد تناولنه في مقالنا السابق المعنون أبو سعود .. وحكمة صمته وصرخاته  –  .

وحصرية  الاستفادة الاستثناء لبلادنا من تاريخها المشترك ، نجده كذلك في رسم سياسة خارجية من وحي عمان التاريخية ، وادوارها الانسانية في تلكم القرون ، فكانت السياسة الخارجية لعمان المعاصرة ، انحيازا مطلقا  للسلم الداخلي والسلام الاقليمي والدولي ،  وضد الحروب والصراعات والتوترات ، فقد عاشتها عمان التاريخية داخليا وفي اطار محيطها الاقليمي ، وبالتالي ، حرمتها عمان المعاصرة على ذاتها ، ومع الاخرين .

 وتمارس من أجلها اعلى ضبط النفس في علاقاتها الاقليمية على وجه الخصوص ، وقمة العقلانية التي لا تتحسس من قول ، أو تنفعل من فعل جيواستراتيجي ، وذلك حتى لا تنجر الى الحروب والصراعات أو تجر اليها ، ثم تدفع المنطقة ثمن صراع أو حرب ، يستدعي اليها عمان التاريخية .

·   عمان المعاصرة .. فهم عميق لعمان التاريخية .

ربما نكون هنا ، قد قربنا الفهم في رهانات البلاد على السلم والسلام والامن والاستقرار ، لدواعٍ انسانية من منظور خبراتها التاريخية التي اثارت البيضاني ، وتمنى من خلالها لو واصلت عمان المعاصرة مسؤوليتها الجيوبوليتكية ، لكان ذلك من وجهة نظره افضل للجغرافيا الاقليمية ” برها وبحرها وثرواتها ” .

فلو واصلت عمان المعاصرة دورها التاريخي نفسه ، لما استفادت من تاريخها ، ولكانت مثل غيرها تعيش الصراعات والتوترات ، تفجيرا وتصديرا ، ولما تميزت الان بفكرها السياسي الذي جنبها ، ومعها محيطها الاقليمي ، من توظيف موقعها الجيواستراتيجي  وامكانياتها المختلفة والمتعددة في الصراعات والحروب القائمة .

لكن ، إن الانكفاء الجغرافي لعمان المعاصرة ، لا يعني انغلاقها الداخلي ، وانما هي متفاعلة مع المحيط والخليج ، وخارجهما ، من منظور المبادئ والقيم نفسها التي أطرت واصلت عمان التاريخية ، فكسبت بذلك احترام الجميع ، ويقصدونها عندما تعجز القوة العسكرية في حسم النصر أو تتوفر الارادة في وقف سقوط الابرياء .

أما على الصعيد الاقتصادي ، وخاصة اقتصاد الموانئ ، فمع تجليات تمنيات البيضاني ، نجد الارادة السياسية قد اعطت الحكومة المباركة في استعادة ريادة الموانئ ابان عمان التاريخية ، وبالذات عن طريق ميناء الدقم الواقع على البحار المفتوحة ، والبعيد عن مناطق التوترات والحروب في المنطقة ، واستعادتها تتم من نفس منطق عمان التاريخية ، وهو الحفاظ ورعاية مصالح الكل ، فنجد فيه أي ميناء الدقم ، مصالح القوى الاقليمية كلها ، والعالمية كلها .

لذلك ، تكون عمان المعاصرة ، نتاج وعي سياسي رفيع واصيل ، يمزج بين المفيد لعصرها من عمان التاريخية ، وتجنب ما يضرها والاخرين معها ، وهذا ما يفسر لنا ، لماذا عمان المعاصرة ، آمنة في سربها ، ومطمئنة على مستقبلها الوجودي ؟ وكذلك ،كيف أصبحت رهاناتها تكمن في الديمومة على قوتها الناعمة الكامنة في منظومة العيش المشترك لكل مكوناتها الديموغرافية ، وهذه صنيعة التاريخ في الفكر السياسي لثامن سلاطين البوسعيد .

نجدد شكرنا وتقديرنا ، لهيئة المخطوطات والوثائق الوطنية ، على ما تقوم به من أداور وطنية عظيمة ، في مجال توثيق الذاكرة العمانية ، وهي بذلك ، تفتح للفكر المعاصر ، الآفاق والرؤى ، وامكانية اسقاطاتها السياسية ، كما فعل البيضاني ، وكما نفعل في مقالاتنا الاستقرائية والاستشرافية لفهم ما يجري في بلادنا ، وما ينبغي أن يكون داخل محيطنا الهندي والخليجي .. والله يوفق كل العاملين فيها ، وعلى رأسهم سعادة الدكتور الضوياني.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock