أزهار الخريف لعبد القادر ميهي (بورتريهات قصصية)

محمد الهادي الجزيري

عدت من الجزائر محمّلا بأشياء عديدة، بحبّ كبير ..بأصدقاء قدامى وجدد وحكايات طريفة ورجعت بقائمة من الكتب التي أهداني إيّاها أدباء ولاية الوادي ومن ضمنها مجموعة قصصية بعنوان ” أزهار الخريف ” ، ويسعدني أن أقدّمها لقرّاء ” أثير ” …..

القصة الأولى بعنوان ” المربوح لوماشي ” تحدّثنا عن فترة مطلع الستينات من القرن الماضي، قبل استقلال الجزائر ببعض السنوات ..فتأخذنا إلى فتى من فتيان القرى الفقيرة وأحلامه وطموحاته وحياته بين أغنامه ورغبته في الزواج الذي لم يجد له سبيلا..، تقع له حادثة فيفرّ من ” أبناء التوهامي ” المطالبين بالثأر ويتوغّل في الجبل بحثا عن ملاذ ..وحين يفقد الوعي يعثر عليه أحد الثوار ..وينجده ويصبح ثائرا إلى أن تستقلّ الجزائر وينسى الثأر الذي ذهبت به السنوات ..فنقرأ 

” وحين يشعر ببعض المعارضة من زملائه ، يردّ قائلا ” أحنا اللي جبناها ” نحن من حققنا الاستقلال “

في القصة الموالية وهي ” المأساة ” يظهر لنا المؤرخ في شخصية الكاتب عبد القادر ميهي، فهو ينطلق من حدث وقع سنة 1993 لينقلنا إلى سنة 1959 وحدث آخر لا يقلّ عنه همجية ووحشية ..، الحدثان يشارك فيهما بطل القصة مرّة كثمرة لتصرّف المستعمر فيولد دون أب ويطلق عليه اسم ” الرومي ” ، والحدث الثاني يشارك فيه حين كبر وانضمّ إلى حركة إسلامية مشدّدة تحرّم الحياة، ويأتيه أصحابه بفتاة لا يتجاوز سنها الرابعة عشر ..أخوها عميل للطاغوت ..ويرفض المشاركة في الجريمة، وتنتهي القصة..

” يتكرّر ظلم البشر للبشر..وتتكرّر المأساة…..”

في القصّتين المواليتين وهما ” الحدث ” و ” الطالب دحمان ” يشير الكاتب إلى الهموم الكثيرة التي يتعرّض إليها شباب الجزائر فترة العشرية الدموية والفترة التي سبقت الاستقلال ..، الحكاية الأولى بطلها شاب انقطع عن التعلّم وعمل مع والده في دكانه، وذات يوم مرّت به مظاهرة طلاب فانخرط فيها دون قصد منه فوجد نفسه أمام القاضي ليحكم عليه بأربعة سنين سجنا ..والطريف في الأمر أنّ الصور المثبتة لتوّرطه في المظاهرة أخذها ” الطيب ” الذي أراد أن يلتقط صورا تخلّد ذاك الحدث ..فوقع ما وقع…

أمّا القصة الثانية فتحدّثنا عن فتى يحبّ العلم ويخيّره على كلّ شيء ..فيتبعه إلى جامع الزيتونة في قلب العاصمة التونسية ..فينجح ويتفوّق إلى أن يناديه واجب الجهاد في سبيل الوطن ..فينخرط في صفوف الثوار ..وبعد الاستقلال يراقب تحوّل المدافع عن الحرية أكبر المنتفعين منها ولو على حساب رفاقه في السلاح ..فيطلب استقالته ويمضي إلى مدرسة نائية ..يدرّس فيها العلم….

” مليكة السدراتية ” عنوان القصة الموالية وتتلخّص في حياة طفلة تحبّ الخروج من البيت وتكره المكوث فيه ..فيضطر والدها إلى تزويجها من مسنّ وهي في سنّ الرابعة عشر، ثمّ بعد أن تُنجب منه ثلاثة أطفال يتوفى ويتزوجها فحل من فحول الدوار..وتتواصل القصة إلى أن يستشهد زوجها الثاني ويتمّ الاستقلال فتصبح مليكة السدراتية ” جزءا من المشهد السلطوي بعد أن كانت فقط جزءا من المشهد الاجتماعي..”…

تتألف مجموعة أزهار الخريف من ثماني قصص تدور حول المجتمع الجزائري في حقبة الاستعمار وما بعدها ..وما جرى خلال هذه الفترة من محن ومآس كثيرة..وقد أكّد القاصّ عبد القادر ميهي قدرته على نحت الشخصيات والولوج نحو عوالمها الداخلية..كما أنّه أثبت اطلاعه على التاريخ الجزائري وإلمامه به ..وما هذه العيّنات البسيطة إلاّ القليل من ثقافته وعلمه بكلّ ما يتعلّق بالثورة الجزائرية …..

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock