محمد الهادي الجزيري يكتب: لا أحياء على هذا الكوكب سواي

لا أحياء على هذا الكوكب سواي

فيوليت أبو الجلد
” قامتُكَ عصافير مهاجرة
إلى فساتيني المزركشة
بالشعر،
وبالغناء.”

محمد الهادي الجزيري

أحبّ هذه الكاتبة لتجرّئها على استعمال لفظة ” النصّ ” في ثلاث جمل واردة في ثلاثة مقاطع أولى تفتتح بها مجموعة شعرية، فقد بدأت بهذه السطور:

” كي أكتشف لماذا نزلتُ وحدي من هذا النصّ..”( من خاتمة المقطع الأوّل )

” ولا شيء يستدعي هذا النصّ ..” ( من خاتمة المقطع الثاني )

” ولموتٍ ناقصٍ بين مخالب هذا النصّ الحزين..” ( من خاتمة المقطع الثالث )

فإمّا تكون مذبوحة ومحروقة بما يحتوي هذا “النصّ” الفاجع المدمّر..أو عابثة بأشياء أخطر منها ..سنرى في “لا أحياء على هذا الكوكب سواي” مدى فجيعة هذه المرأة أو عدمها ..في زمن صار كلّ مدّع بطلا للقول ونبراسا للإبداع ..ولنبدأ بما افتتحت به شهيّة القارئ :

” أحتاج إلى سكّيرَين،

إلى قاتل مأجور،

إلى سارق،

إلى مستحضر أرواح،

إلى قارئة كفّ عجوز،

إلى جارة فضولية،

إلى صديقة مثيرة جداً تثير الريبة،

إلى باب سريّ،

إلى شهية مفتوحة،

وأحتاج أن أركب القطار في هذا الفيلم الطويل،

كي أكتشف لماذا نزلتُ وحدي من هذا النص،

 ولماذا صعدوا كلهم إلى رأسي.”

احترتُ..، أوّل مرّة أشعر بالدوار والإرباك أمام روح متمرّدة على كلّ شيء..، لا تطلب شيئا إلاّ الشعر ربّما ..، عن أيّ قطار تتحدّث وعن أيّ فيلم ..لعلّها تقصد الحياة بسلبياتها وأحزانها ..ثمّ فجأة تعلمنا بأـنّها اكتشفتْ سبب نزولها بمفردها من ” النصّ ” وأنّهم صعدوا أجمعين إلى رأسها..، نحن ذات ممتلئة بالآخر..حدّ الغثيان والرغبة في التقيء ..الرغبة في الإفراغ التّام من كلّ ميت وحيّ..والتلاشي كأنّ شيئا لم يكن، لكن دعونا لا نفوّت فرصة التفاعل معها من خلال مجموعة شعريّة لا عناوين لها فهي نصّ واحد مرقّم ..متروك لتأويل القارئ ..كلّ يفسّره حسب هواه ….

قصيدة النثر ما أدراك ما هيَ، قصيدة خارجة من رحم القلق والأزمة والحمّى والبكاء بصمت وحكمة، ثمّة الملايين يخالون أنّهم يقترفون إثم الكتابة في رحاب النثر العظيم، وهم واهمون جدّا ..ما أبعدهم عن الشعر الذي ينزّ من هذه القصيدة التّي لا تمنح نفسها إلآ لمن به مسّ من ذهول وبه إعياء شديد من الحياة اللعوب..، والأكيد أنّ فيوليت أبو الجلد لا تنتمي  إلى رهط يرصّف الكلمات والجمل ..لكي يقال عنه شاعر..، من يكتب بهذه الجرأة واليأس والكبرياء ..أكيد أنّ لديه ما يضيف للشعر الخالص ….

” بيَدٍ أكتب،

بيدٍ أصوّبُ نحو الرأسِ رصاصة.

حين يدنو الغناءُ من النافذة

يصير الرقصُ حِمَماً في الأرض،

وعويلاً في قدميْن منتحرتين؛

حين تصنع هذه الطائراتُ الورقيّةُ سماءها،

حين أُفلت الخيط،

كي لا أعود.”

ثمّ أنصت إليها أيّها القارئ في هذا المقطع الذي تحاول فيه أن تكتب نصّا سعيدا أو تفرح خارج النصّ، ستحاول وتحاول دون جدوى ..فلا راحة في الشعر ولا فرحة لا شيء سوى التعب ..والركض خلف اللغة اللعوب :

” أحاول عبثًا أن أكتب نصًا حزينًا

أو أن أحزن خارج النص،

أنا البهجة المنشقة عن لغة لعوب

تستبدل القاص بالشاعر

والشاعر بالراوي

عن لغة جامحة

متواطئة مع صعاليكها ومريديها.

أحاول عبثًا أن أكتب نصًا سعيدًا

أو أن أفرح خارج النص”

ختاما لهذه الإطلالة على مجموعة ” لا أحياء على هذا الكوكب سواي ” أريد أن أحيّيها وأشكرها على الجهد الذي تبذله للمحافظة على الذوق العام سليما ..لما تبذله من أرق ومكابدة حتّى تفرز الشعر من سقط المتاع ..، وأترككم مع مسك الختام :

” بيتي سكة حديد

نبتَ عليها العشبُ

نبتَ عليها العمرُ

نبتَ عليها التلويح

ولا يدان لهذه الوحشة

ولا قدمان للطريق.”

مقالات ذات صلة

اترك رداً