د/ عبدالله باحجاج يكتب: هل تكشف عدن عن النوايا الإقليمية ؟

أثير
عبدالله باحجاج
د. عبدالله باحجاج

لن أنسى ، ولن أتناسى ، صور ومقاطع فيديو وصلتنا أثناء حرب الأخوة والحلفاء على عدن  ، من إحدى الشخصيات البارزة في تعز اليمنية،  وهو له موقع متقدم في التفاعلات العسكرية في هذه المدينة التي تبتعد عن عدن أكثر من ساعة ،  يظهر فيها جنود يمنيون ممددين على الأرض ، وقد قتلوا على أيدي أخوة لهم  ، وآخرون يُلقى بهم من السيارات فوق زملائهم على الأرض ، بعضهم ينتمون لقوات التحالف ، وآخرون لقوات الحزام اليمني ، وفريق ثالث يطلقون على أنفسهم الانفصاليين .

مشاهد الضحايا ملاقاة فوق بعضها البعض ، والدماء تنزف منها ، وجميعهم من فئة الشباب ، وكلهم كانوا يحاربون قوات الحوثيين ، وقد تحولوا إلى محاربة بعضهم البعض بعد جنوح السياسة الإقليمية ، تجعلنا نصرخ بصوت عال: من يرسم البهجة على ملامح وشفاه 27،4 مليون نسمة ؟

أية قلوب تتحمل رؤية مثل هذه المشاهد ؟ وأية إنسانية تقف وراءها ؟ فما ذنب شباب اليمن ، يدفعون ثمن الخلافات السياسية ؟ فكيف نقبل استباحة دمائهم ، وهي محرمة شرعا وإنسانيا ؟

العجيب العجاب ، الذي يندى له الجبين ، ويتقطع له الضمير ، أن تلكم الضحايا ، جميعهم يمنيون ، وذات صلات قربى ، شطرتهم السياسية الإقليمية ، وحولتهم الى أدوات نيابة عنها ، وأصبحوا متوزعين على تلك التشكيلات المسلحة ، ويحاربون بعضهم البعض ، ويسقطون برصاص ونيران بعضهم البعض ، من أجل أجندة إقليمية ، فأين المصلحة اليمنية العليا ؟

  • عدن والصراع الدموي .

ليس سببه  تحرير عدن من الحوثيين ، فقد حررها التحالف ، وسلمها لقوات الشرعية المتمثلة في الرئيس هادي ، وإنما سببه ، تفجر حالة جنون وراء اعتلاء جواد السلطة في عدن بين تلكم التشكيلات المسلحة التي تنتمي للتحالف ، وبدعم كبير من قبل فاعلين أساسيين في التحالف .

شهدنا يوم الأحد 28 من يناير 2018 ، صراعا دمويا متوحشا ، استخدم فيه كل أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة ، من أجل الاستفراد بجواد السلطة ، ويكون الضحية دائما الشعب اليمني ، فدماؤه كانت مطية للسلطويين ، والآن وسيلة لتحقيق أجندة السياسة الإقليمية .

مما يتضح لنا المشهد اليمني الآن ، مقسما بين الحوثيين في صنعاء ، والتحالف العربي في عدن ، وهذا التشطير للجغرافيا اليمنية ، وبصورة الانفجار المفاجئ ، قد تزامن مع تعيين مبعوث دولي جديد للأزمة اليمنية ، بريطاني الجنسية ، في الوقت الذي تتحرك فيه لندن لحل الأزمة سلميا ، ونجاح دبلوماسيتها في اختراق عواصم إقليمية مؤثرة في الأزمة ، كطهران والرياض ، فهل كان الهدف من الصراع الدموي المتوحش في عدن ، التأثير على الجهود السلمية الراهنة ؟

توقيت الانفجار في عدن ، ووحشيته اللإنسانية ، وتحويل الأخوة إلى أعداء ، بعد ما كانوا في صف واحد ، وخندق واحد ، لقتال عدو واحد ، ليس له من تفسير أو تأويل سوى التسليم بما قلناه سالف الذكر ، خاصة بعد تصريح المبعوث الدولي الجديد في الأزمة اليمنية بعيد زيارته لصنعاء ، بأن الحوثيين قوة لا يستهان بها ، ولا يمكن إقصاؤها ، ولا تحييدها .

  • تساؤلات من أجل التاريخ .

من المسؤول أمام الله عز وجل ، عن الدماء البريئة ، المغرر بها بسبب ظروف فقرها المدقع ، وجهلها المزمن ؟ ماذا سنقول عندما نسأل عن مبرراتنا لهذه الجرائم التي لا صلة لها بالتحرير وإنما تدخل في جرائم القتل والتدمير ، من أجل الاستفراد بجواد السلطة في عدن ؟

يمنيون أخوة يقتتلون من أجل عدن ، ويسقطون فيها ، كيف دُفع بهم الى هذا القتال ؟ ومن وراء صناعة العداوة بين هؤلاء الأخوة ؟ وما هي الكذبة التي صدقتموها أيها الاشقاء في الدين والعروبة والجوار ، حتى تدفعوا من أجلها ثمن حياتكم ؟

  • دماؤكم أيها الأشقاء محرمة ، فكيف تم استباحتها بهذه السذاجة ؟

حرام حرام حرام ما جرى في عدن مؤخرا خاصة ، وما يجري في اليمن عامة ، من قتل وتدمير وتشريد ومجاعة ومرض .. إلخ فالحرب فيها ، قد خرجت من مسارات أية شرعية يمكن التحجج بها ، وعدن نموذجا .

والحرب التي فجرها الحوثيون ، وفجر معاناتها التدخل الإقليمي ، قد أدت الى ارتفاع نسبة الفقر في اليمن إلى (85 % ) من اجمالي عدد السكان البالغ عددهم (4، 27) مليون نسمة ، ولدينا من زاوية مشهدنا الجغرافي في محافظة ظفار ، الرؤية واضحة وكاشفة لحجم معاناة الأشقاء بحكم الجوار ، ومن حق الجار علينا ، ما تفعله حكومتنا ومجتمعنا العماني ،  من فتح أبواب العلاج لهم ، وتقديم مختلف المساعدات الإنسانية ، درجة إحساسنا بهم مرتفعة ، وأكثر من غيرنا ، من هنا ، يأتي تعاطفنا الإنساني مع الأزمة اليمنية ، بعيدا عن السياسة ، وفرقائها .

  • ماذا بعد السيطرة الإقليمية على عدن ؟

هذا هو التساؤل الذي يكشف النوايا ، ويظهرها إلى فوق السطح ، جلية ، واضحة ، لا لبس فيها ، ولا تأويل ، ولا تفسير ، فعدن الآن في عهدة السيطرة الإقليمية المباشرة ، جوها وبرها ومياهها ، لذلك ، ينبغي أن تكون عدن ، تعكس النوايا الإقليمية الصادقة في حربها في اليمن، ينبغي أن تكون عدن آمنة ومستقرة ، تغبطها كل المدن اليمنية ، وتتمنى أن تكون مثلها ، من حيث توفير كل الخدمات الأساسية من كهرباء وماء صالح للشرب ، وتعليم ، وصحة ، وفرص عمل.. فرسالة التحول في عدن ، ستكون أبلغ من عمليات قصف الطيران ، ومن إطلاق المدفعية .. لأن رسالة التنمية الشاملة ، هي كفيلة  بإنهاء الصراع في كل بقاع اليمن ، وهي كفيلة بوضع حد لكل الحماقات التي لا  تريد لليمن الجغرافيا ، ولليمنيين الإنسانية خيرا .

غير أن هذا لم يحدث حتى الآن ، بل العكس النفسيات الديموغرافية اليمنية ، تتأزم ، وتستدعي الان المقارنات بين الاحتلالين ، أيهما تكون فيه ، حياتها آمنة ، هل في عهد الحوثيين – المحتلين – أم عهد الإقليميين – المحررين – ؟.

  • الأمل :

قلوبنا تتقطع من أجلك يا جارنا وشقيقنا ، وإحساسنا بكل معاناتك ، تجعلنا نفتح قلوبنا قبل بلادنا ، للتخفيف منها ، وتدعونا دعاء  الله عز وجل ، أن يسخر لك من يرسم البهجة على ملامح وشفاه (27،4) مليون من أبنائك ،  وأن يضع حدا نهائيا لنكابتك المتوالية ، فهل آن الأوان للحرب أن تخجل من سقوط دماء الأبرياء ، وموت المواطنين بالقصف والتدمير والجوع والأمراض ؟  أعان الله .. اليمن الشقيق.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock