نبهان المقرشي يكتب: عندما وطئت قدماي أرض فلسطين

نبهان المقرشي

عندما وطئت قدماي الأرض المقدسة، أرض فلسطين، لم أرغب في تفويت أي لحظة لأخزن في ذاكرتي أكبر كم من الصور والذكريات والمشاعر الحقيقية لأستبدل تلك الصور الافتراضية التي خزنتها مؤقتا من شتى الوسائل الالكترونية المرئية والمسموعة وحكايات جدي وجدتي عن فاتنة مسبية تسمى فلسطين. وبطبيعة الحال، فإن أريحا هي المحطة الأولى كونها المنفذ البري الوحيد لمناطق الضفة الغربية والقدس للفلسطينيين وأحيانا للزائرين من مختلف البلدان. قصدت قصر هشام بن عبد الملك الأموي، واستشعرت المجد والرقي عند ذلك المعلم الرابض بوقار وحكمة، ولاحت أمام ناظري ملاحم البطولة في زاوية، ومنابر العلم في زاوية أخرى، وفنون العمارة التي تمازجت بحضارات مختلفة اسلامية وبيزنطية وساسانية، فالأرضيات الفسيفسائية بدت كحورية تطل باستحياء خجلة من عدم اكتمالها بعدما بتر الزلزال المدمر عام 749م بعضا من أجزائها. وهناك أيضا شجرة الحياة الفسيفسائية التي قهرت الموت المزلزل. أما بقايا غرف الضيافة والأبراج والأقواس والأروقة فتعد شاهدا على زمن أصيل. أما النجمة الحجرية فتمركزت بصورة جلية كأنها وسام شرف لزمن البطولات والوحدة.

 

تركت هذا المكان وقصدت جبل الأربعون والذي شعرت فيه بالرهبة والقداسة وزهد السيد المسيح عليه السلام أثناء صعودي ذلك الطريق الضيق والوعر والذي يرتفع بشدة. فها هو دير قرنطل يحكي قصة الأربعين يوما وليلة صائما متعبدا في أحد الكهوف الاربعون والتي بني فوقها دير قرنطل، شعرت كأنه معلق بالهواء وكأنه على صلة مباشرة بالخالق سبحانه وتعالى في مشهد روحاني تتجلى فيه أسمى آيات القدسية والتواصل الروحاني.

وإلى المدينة المقدسة رسمت طريقي ووصلت هناك بقلبي قبل أن تطأها قدماي. وتلاشت تلك الصور المرسومة لتحل مكانها صورة سور القدس الذي يحتضن البلدة القديمة كأم حانية تصد كل من تسول له نفسه المساس بأبنائها. وقفت أمام باب الأسباط ونظرت الى تلك الأسود المنقوشة على جانبيه تحرس وتحمي أحد مداخل المسجد الأقصى وتنظر بعيون الحرص على كنيسة الجثمانية التي تقع في المقابل خارج أسوار البلدة القديمة. دخلت من ذلك الباب العظيم لينتهي المطاف الى كنيسة القيامة. وتوجهت يسارا عبر ساحة الامام الغزالي الى المسجد الأقصى والذي يحوي قبة الصخرة والمسجد القبلي والمصلى المرواني ومعالم كثيرة تصل الى مائتي معلم من أسبلة ماء وحدائق وغيرها. وكانبلاج الفجر بعد العتمة ظهرت قبة الصخرة المشرفة والتي بناها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان لتحمي الصخرة التي عرج منها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الى السماء، ولتبقى شاهدا على معجزة الهية لتذكرنا بمقولته تعالى “إن تنصروا الله ينصركم”، وكانت حادثة المعراج خير دليل على ذلك ليثبّت ويدعم خاتم الأنبياء بعد الاضهاد الذي تعرض له على يدي كفار قريش.إن قبة الصخرة لوحة جمالية احتوت على النقوش الاسلامية على الحجر والخشب ممهورة بآيات عطرة من الذكر الحكيم. والقبة الذهبية فوقها بدت كعمامة تتألق في السماء تتباهى بالعفة والجلال. استكملت جولتي في رحاب هذا المكان الطاهر وخرجت لاستكمال جولتي. من سوق القطانين بدأت السير في دروب وأزقة تحمل كل الأطياف، وتزخر بمحال تجارية وبضائع مختلفة وأفواج من المارة أشعرتني كأنني بكرنفال صاخب، يسعدك أصحابه وهم ممتلؤون بالحزن لما آل اليه حال مدينتهم نتيجة صلف المحتل إلا أن العزيمة والاصرار يظهران في أصواتهم المجلجلة لتسترعي انتباه المارة علهم يبتاعون شيئا من بضائعهم. وصلت باب الواد ومنه أخذت أحد الزقاق يسارا لأجد نفسي عند نهاية الطريق في منتصف سوق خان الزيت والذي ينتهي بمفترق ما بين سوق العطارين وسوق اللحامين. الى اليمين سرت لأجد نفسي أمام ذلك المكان الذي انتهى مطاف سيدنا المسيح اليه على درب الآلام وهو “كنيسة القيامة” أو كنيسة القبر المقدس، وهنا للصخرة قصة أيضا لكنها مختلفة عن قصة صخرة القبة المشرفة وروايتها مؤلمة. مكان الصخرة يدعى الجلجلة وهي مكان الصخرة التي يعتقد أن سيدنا المسيح صلب عليها، وفوقها تم بناء الكنيسة. وبرغم جمال المكان وزينته من اللوحات الفسيفسائية والزخارف والنقوش، ورغم الرهبة التي اشتممت رائحتها مع احتراق الشموع، الا أن الحزن اعتراني للعذاب الذي شهده السيد المسيح والظلم والقسوة من الانسان لأخيه الانسان.
عدت أدراجي وخرجت من باب العامود أو بوابة دمشق وتعد البوابة الرئيسية للبلدة القديمة. وأثناء طريقي الى مدينة بيت لحم رأيت بقية السور والبوابات التي يقبع خلف كل منها حكايات لازمان غابرة وأمجاد لحضارات متصارعة، لا توحي الا بشيء واحد.. أن القدس أيقونة الهية مقدسة لا تنضب عطاياها لذلك هي مطمع لكل الطامعين.

وصلت مدينة بيت لحم وقصدت كنيسة المهد والتي تحمل أهمية تاريخية ودينية ، فهي الكنيسة التي تحوي الكهف الذي يعتقد أن المسيح عليه السلام وضع فيه بعد مولده والذي يزدان بخمسة عشر قنديلا نسبة الى الطوائف المسيحية المختلفة. وتقام فيها الطقوس سنويا ابتداء من مطلع القرن السادس الميلادي. وتصدح فيها سنويا على ثلاثة تواريخ حسب الطوائف المختلفة ترانيم الميلاد احتفالا بذكرى ميلاد المسيح. تحوي الكنيسة زخارف وأعمدة توحي بالجلال والجمال.

أما مدينة بيت لحم الجميلة، ففيها أسواق مليئة بالمطاعم والمحال التجارية وشعرت أن خشب الزيتون هو علامة أو رمز لتاريخ أصيل منحوت في تماثيل مبدعة الصنع.

والى مدينة خليل الرحمن شددت الرحال، لم أجد أجمل من كروم العنب الممتدة على جنبات الطريق، وشعرت أن قطوف العنب تتهامس بينها مستغربة من ذلك الدخيل التي تظن أنها تعرفه فرائحته برائحة فلسطين والبحر والبيارة والزيتون. وصلت مدينة الخليل وقصدت الحرم الابراهيمي نسبة الى سيدنا إبراهيم عليه السلام “خليل الله” -والتي سميت مدينة الخليل نسبة الى ذلك- وفيه دفن سيدنا ابراهيم قبل أربعة آلاف سنة. رغم لهفتي لزيارة المكان الا أن خيبة الأمل أصابتني عند أول بوابة الكترونية اضطررت لعبورها وأصابتني غصة ومرارة لاقتطاع جزء من الحرم لصالح كنيس يهودي، واعتصر قلبي ألما حينما لم أسمع صوت الأذان الذي كتمه المحتل المغتصب ساعتها.

هززت رأسي بشدة ونثرت كل مشاعر الغصة والألم، فإن لي حق في هذا المكان وسأحصل عليه، فأنا ابن أرض فلسطين المقدسة وكل شبر فيها لي حق فيه. دخلت الحرم ورأيت قبابه المغطاة التي يعتقد أنها تحوي قبور زوجته سارة واسحق واسماعيل ويعقوب ويوسف وزوجاتهم. ورأيت المنبر الذي يعتبر أنه أقدم منبر اسلامي، وقد تم صنعه في مصر ونقل الى عسقلان، أما مكانه الحالي في الحرم الابراهيمي فقد خاض لاجله صلاح الدين الأيوبي اثنان وخمسون معركة ليتم وضعه في مكانه الذي لم يتغير حتى يومنا هذا. أما ما يميز هذا المنبر فهو انه من خشب الابانوس المطعم وخلوه من المسامير وتم تركيبه بطريقة التعشيق.

تركت الحرم وأردت التجول في الأسواق القديمة، فوجدتها مغلقة بأمر من المحتل عقب المجزرة التي قام بها مستوطن آثم في العام 1994 عند صلاة الفجر أدت الى استشهاد 29 مصليا. وعلى إثر ذلك تم تقسيم الحرم وإغلاق المنطقة المحيطة ومحالها، واحتلال المستوطنين لمباني منها مدرسة الدبوية وسوق الحسبة المركزي ومدرسة أسامة والأستراحة وتحويلها الى مبان صهيونية تابعة للمستوطنين. أي أنه تم مكافأة الجاني ومعاقبة الضحية.

رغم الشعور بالمرارة والألم، إلا أنني شعرت بفخر أنني ابن أرض مقدسة زاخرة بأمجاد سماوية تجعلها تبدو كآلهة تذبح لها القرابين، وأنني من شعب مقاوم راسخ في أرضه كشجرة الزيتون، وصلب في مواقفة كصلابة صخرة مقدسة تقبع داخل مسجد او كنيسة.

مقالات ذات صلة

اترك رداً