د.عبدالله باحجاج يكتب: لاغارد .. للخليج ناصحة، فهل هي أمينة؟

أثير
عبدالله باحجاج
د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

بعد يوم من نصائحها للدول العربية بخفض الرواتب، ومواصلة مسيرة خفض الدعم الحكومي ، زارت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد بعض دول مجلس التعاون الخليجي ، ومن بينها بلادنا ، والتقت مع مسؤولين مختصين بالسياسة النقدية والمالية ، وكان موضوع النقاش ، المعلن ، تعزيز علاقات الجانبين ، ولم يكشف عن مضامينه ، ولا عن سبب زياراتها ، لكن ، لا يمكن فصل نصائحها السابقة للزيارة ، عن الزيارة نفسها ، فهل ستلقى آذانا مصغية في دولنا الخليجية ؟

وكانت لاغارد قد قدمت تلكم النصائح في كلمة لها أمام “منتدى المالية العامة في الدول العربية” يوم السبت الماضي في دبي، ورأت كذلك أنه  “ليس هناك أي مبرر لمواصلة دعم الطاقة… ووصفت بأنه مكلف جدا يمثل ما معدله 4,5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في الدول المصدرة للنفط و3 بالمئة لدى مستوردي النفط”،

  • هل نحسن الظن في نصائح لاغارد ؟

المفارقة الغريبة أن لاغارد قد أشادت  بخطوات الإصلاح التي تقوم بها بعض الدول العربية، والتزامهما برفع الدعم عن منتجات الطاقة، غير أنها أكدت في الوقت ذاته “وجوب اتخاذ المزيد من الخطوات “

وهنا ، تبدو لاغارد وكأنها تريد تقول صراحة ” يا عرب .. إني لكم ناصحة أمينة ” فهل هي كذلك ؟ وهل يمكن أن تنطوي على صانع القرار العربي ؟ وهل يمكن أن يسلم بها العقل السياسي الخليجي ؟

لو فتحنا ملف تداعيات الإصلاحات التي تشيد بها لاغارد في الدول العربية ، فماذا سنجد ؟  انقلاب أوضاعها الاجتماعية رأسا على عقب ، وفتح صفحة جديدة من التوترات الاجتماعية مع السلطات ، ففي إحداها – دون تسميتها – وبسبب انصياعها لصندوق النقد في فرض الضرائب ورفع رسوم الخدمات ، مثل ضريبة على الدواء ، وضريبة على الإنتاج الزراعي …. إلخ وصلت التوترات بين المجتمع وسلطاته الى مستويات متقدمة ، لم يجدِ فيها نفعا ، تدخل أدوات السلطة المختلفة من تهدئة الأوضاع ، بل إن هذه الأدوات قد أسقطت اجتماعيا ، بعد أن تم رفض الاستماع للشيوخ والوجهاء والفاعلين الاجتماعيين .

وفي دولتين أخريين ، ظهرت ميول إجرامية على مشهدها الأمني بعد أن تجاهلت حكوماتها التوترات الناجمة عن تطبيق نصائح هذه المؤسسة الدولية ، رغم ان هذه التوترات قد صاحبها مسبقا ميلٌ للعنف .

وفي الدول الأخرى التي فتحت آذانها للإنصات لمثل نصائح لاغارد ، رصدنا من خلال متابعتنا لها ، موجة الانفعالية الاجتماعية المتصاعدة منها ، وبالتالي علينا أن نتوقع خطوات محددة تالية .. الخ وهذه تداعيات متوقعة في ميكانزمات الاحتجاجات الشعبية ، ستحدث كلما اصطدمت المجتمعات مباشرة بنيران رفع الأسعار ، وشموليتها .

  • انصياع الدول الخليجية لنصائح لاغارد .

المشكلة الكبرى ، بل الكارثة الأكبر ، استمرار انصياع الدول الخليجية لأجندة ونصائح صندوق النقد والبنك الدوليين من قبل الدول النفطية ، وحرصها على تطبيقها .

 قد نتفهم انصياعها  لنصائحها بسبب الأبعاد النفسية الضاغطة عليها ، إبان مرحلة هبوط أسعار النفط إلى (28) دولارًا للبرميل في منتصف عام 2014 ، وتخويفها من قبل البنك والصندوق الدولي بالنزول الى (10) دولارات ، فقد كانت مضطرة للجوء لهذه المؤسسة .

 فوصول النفط الى ذلك السعر ” المخوف به ” يعني خراب بيوت سياسية ، لكن الان ، بعد أن تعافت الأسعار ، وبعد أن ارتفعت موارد الدول غير النفطية من خلال الضرائب والرسوم ورفع الدعم عن الخدمات ، وفرض رسوم على الخدمات … الخ فهل سيكون لنصائح لاغارد الجديدة آذان مصغية في هذه الدول ؟

سيكون عبثا باستقرار المجتمعات لو نفذت هذه النصائح الى القناعات السياسية الخليجية ، فهو سيكون كمن يسير في طريق ، ويعلم يقينا ، أن أمامه حفرة كبيرة وعميقة سيقع فيها لا محالة ، فهل سيواصل مسيره ؟

لا ينبغي الحكم على سلامة نتائج نصائح البنك والصندوق الدولي التي طبقتها هذه الدول منذ منتصف عام 2014 حتى الان ، فتداعياتها ستظهر بدءا من عام 2019 ، عندما يتم تطبيق ضريبة القيمة المضافة ، وترسيخ تطبيقها في البنية المجتمعية في ظل الضرائب السابقة والرسوم المرتفعة والجديدة على الخدمات .

فالاعتقاد بحالة الهدوء المشوب بالحذر ، هو تفكير لا يستقيم مع منطق التراكم التداعي ، وانعكاساته على المجتمعات في ظل مجموعة سياسات مماثلة ، كوقف الترقيات ، ومشكلة الباحثين عن عمل .. الخ .

  • هل نصائح لاغارد أمينة ؟

من خلال ما سبق ، يظهر لنا أن نصائح لاغارد لم تعد شكلا ومضمونا من النصائح الأمينة لهذه الدول ، وذلك لتداعياتها الاجتماعية ، ربما هي لا تنظر لمثل هذه الابعاد بعين الاعتبار ، ولأنها في الأصل غير معتبرة في النظام الرأسمالي ، هذا أحسنا الظن فيها ، وفي مؤسسات ، مثل البنك وصندوق النقد الدوليين  اللتين أنشئتا بعيد الحرب العالمية الثانية ، كأداة بيد الدول الاستعمارية المنتصرة في هذه الحرب .

وأهدافهما قد أصبحت واضحة ومكشوفة للكل ، وهي تحويل ملكيات الدول الاقتصادية ومواردها الى القطاع الخاص ، وفتح سيادات الثروات الوطنية للشركات متعددة الجنسيات العالمية .

لكن ، تظل القضية المثيرة الان ، هي حمل الدول الى تفقير مجتمعاتها من خلال  سياسات مالية واقتصادية ليس تحت وطأة ضغوطات مالية راهنة ، وانما تنفيذا لنصائح تلكم المؤسستين لنقل هذه الدول من دول الخدمات المجانية الى الخدمات المدفوعة الثمن ، مهما كانت أسعار النفط ، أي الانتقال الى دولة الجبايات بعيدا كل البعد عن دولة الرفاة التي أسست هذه الدول مجتمعاتها عليها طوال القرون الماضية ، فهل من الحكمة نقلها بهذه السرعة الزمنية الفائقة دون تهيئة أوضاعها المالية ، ودون رفع وعيها بأهمية هذا الانتقال ، وانعكاساته المستقبلية ؟

ورغم دولة الرفاة ، الا أنها تعاني من مشكلات بنيوية كبيرة ، لعل أبرزها البطالة التي تبلغ في كبرى دولها أكثر ( 12% ) ومن فئة الشباب ، وكذلك ، عدم عدالة توزيع الثروات ، وعدم جودة التعليم … إلخ فكيف بأوضاعها الاجتماعية في عصر الجبايات اذا كانت تلكم الأوضاع في عصر دولة الرفاة ؟

  • هل وصلت رسالتنا ” سياسيا “

لدواعي هذا الوصول ، من الأهمية بمكان أن نستعرض المشهد الاجتماعي داخل كبرى الدول الرأسمالية نفسها ، لنرى هل المشهد الراهن فيها ، تتمناه الأنظمة العربية ، بما فيها الخليجية ، فلنأخذ الدولة الرأسمالية الأولى في العالم ، والتي تقف وراء قرارات صندوق النقد الدولي ، وهي أمريكا .

فالسياسة المالية والاقتصادية فيها ، قد جعلت أغلبية شعبها فقراء مقابل اقلية يستحوذون على الثروة والسلطة ، فعدد الفقراء فيها يبلغ ( 5، 64) مليون شخص ، وفوق دراسة صادرة حديثة عن جامعة شيكاغو في نوفمبر الماضي ، فقد بلغ عدد المشردين من الأطفال والشباب (13- 25سنة ) ( 2، 4) ملايين ، وأمكنة نومهم في الشوارع والملاجئ ، وهذه الملايين من البشر هم ضحايا السياسة المالية والاقتصادية الامريكية التي يحاول البنك وصندوق الدولي نسخها في الدول العربية ، والخليجية على وجه الخصوص .

وجاء في كتاب “من يحكم أمريكا؟” للكاتب ويليام دومهوف: «إن توزيع الثروة في أمريكا، يكشف جشع ونفوذ الطبقة الغنية في المجتمع. فإن 1% (هم طبقة الأثرياء في أمريكا) يملكون ما يقرب من 34% من الثروة في الولايات المتحدة، بينما 80% يملكون ما يقارب 16% منها فقط».

أما الطبقة الوسطى التي تتدحرج باتجاه الفقر، فإن مقدار دخلها السنوي هو مؤشر على تحسن أوضاعها أو تراجعها. وقد أثبتت الأبحاث انخفاضاً يزداد عاماً بعد عام في دخل أسر هذه الطبقة التي تنفق أكثر من نصف دخلها على إيجارات المساكن، تُدفع لمالكي العقارات من الأثرياء.

والآن ، فقد تحولت أصبحت أمريكا بلا مأوى ، فبحسب مؤسسة السياسات الاقتصادية الامريكية ، فإن الشخص الذي يرغب في السكن في نيويورك مثلا ، يحتاج الى تقاضي (29، 27) دولار على أقل تقدير في الساعة الواحدة ، حتى يتمكن من الحصول على شقة صغيرة جدا ، علما بأن عامل الوجبات السريعة ، يتقاضى (8) دولارات في الساعة ، وأحيانا أقل .

  • آخر أدلة الإقناع السياسي

وهنا ينبغي القول نقول صراحة إنها تخل بالتوازنات الاجتماعية القائمة ، والغرابة في هذه الكارثة الكبرى ، ان الدول الخليجية ، ومنذ أن سلمت أوضاعها المالية والاقتصادية لصندوق والبنك الدولي منذ منتصف عام 2014، فسياساتها المالية والاقتصادية – الخليج على وجه التخصيص – تحطم المنظور التراكمي الذي تم بناؤه منذ عدة عقود .

بدليل – ولدواعي الإقناع السياسي – نقول صراحة إنها تبدد المكتسبات الاجتماعية لهذه الدول ، ولنؤكد بنفس الصراحة عدم وجود الآن أية حماية لها ، فهل تظهر لاغارد هنا انها هي ناصحة أمينة بعد أن بينا انعكاساتها الاجتماعية الخطيرة ، أم العكس ؟

هي الان تطالب بخفض الرواتب رغم انها منخفضة أصلا ، فكيف بعد انخفاضها مجددا ، هي الان تحض على رفع الدعم وفرض رسوم وزيادتها على الخدمات ، رغم ارتفاعها ، فكيف يستوي هذا الرفع في الدعم وفي الرسوم مع خفض المرتبات ؟ انها بصريح العبارة تريد قلب الأوضاع الاجتماعية عاليها سالفها ، والتجارب الخليجية ، تفيدنا ، بان الاستقرار في المنطقة مرهون بالتنمية ،وان الفقر وشموليته ، يهدم الاستقرار ، وبالتالي ، لا يمكن ان يكون الفقر بديلا عن التنمية.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. لاتنسوا نصيحة حكيم العرب وادهى القادة العقلاء لنا خصوصياتنا الذي يصلح لهم لا يصلح لنا نحن نعرف كيف يجب ان نكون ولا يجب ان ينسى الغرب ان اقتصاداتهم هشة وبعضها على شفا الافلاس ونحن ادرى بمصالحنا الاولى انهم يشوفوا حل لخلافاتهم في مشكلة اليورو الا تحاد الاوربي ويحلو مشكلة اليونان بمعنى يجب عليهم ان يخوضوا تجربة ناجحة وبعدين لما ينجحوا يجو ينصحونا

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock