بالصور: تعرّف على مقهى ريش: ذاكرة مصر الحديثة

د. محمد العريمي- أكاديمي وإعلامي عماني

عزيزي القارئ.. إذا ساقتك أقدارك يوماً لزيارة المحروسة، وأخذتك رجلاك تجاه ميدان التحرير سرّة القاهرة ووسطها، وانعطفت منه باتجاه ميدان طلعت حرب أو (سليمان باشا) سابقاً، سيستوقفك ضمن كثيرٍ من المباني التاريخيّة التي ستشدّ نظرك ربّما لأنك لمحتها يوماً ما في لقطةٍ عابرةٍ بمسلسلٍ أو فيلمٍ عربيّ قديم، أو قرأت عنها في تحقيقٍ مصوّرٍ لإحدى المجلات الفنيّة أو الثقافيّة، خاصةً لو كانت تلك هي الزيارة الأولى لك لقاهرة المعزّ، أقول سيشدّك مبنىً من دورٍ واحد أسفل بنايةٍ عتيقة، بديكوراته الخشبية المستلهمة من أجواء الريف الأوروبي، ونوافذه الزجاجيّة التي تحوّل المكان إلى معرضٍ مكشوف، ولافتته المميّزة التي كتب عليها اسم المقهى بلونٍ أحمرٍ على خلفيّةٍ ذهبيّة، وبخطٍ نسخٍ عربيّ يميّز لافتات فترة الخمسينات وما قبلها، ولافتةٍ أخرى بذات اللون ولكن بخطٍ انجليزيّ تشير إلى سنة تأسيس المقهى عام 1908، ومجموعةٍ من الملصقات التي وضعت على واجهة المقهى تعرّف بكتابٍ ما، أو تشير إلى فعاليّةٍ ثقافيّةٍ قادمة، إذا وقفت أمام هذا المكان فاعلم أنك في مقهى “ريّش” ذاكرة مصر الحديثة وألبومها الحافظ لأسرارها.

في كل مرة كنت أتجول فيها في شوارع القاهرة الأوروبيّة كعادةٍ أسبوعيّةٍ وبالأخص في أيام الشتاء والربيع، وقبل أن أصل إلى محطّتي الأخيرة وسط ميدان طلعت حرب(سليمان باشا سابقاً) حيث مكتبات الشروق ومدبولي، ومقهى (جروبّي) الشهير، وبناية الشرق للتأمين وغيرها من المعالم البارزة التي يميّز الميدان الذي يتوسط القاهرة الأوروبيّة كنت أتوقّف لدقائق أمام زجاج مقهى ريش وكأني مراهق يختلس نظرةً غير بريئة! دون أيّة بادرة أملٍ لدخولي المقهى؛ ذلك أن الصدّ هو النتيجة التي أخرج بها في كل مرةٍ أحاول فيها اختلاس نظرةٍ هنا أو هناك، أو محاولة الجلوس على أقرب مقعدٍ للباب، فمجدي ميخائيل وريث المقهى وصاحبه كان يفرض طقوساً صارمة حول اختيار نوعيّة مرتادي المقهى ربما كي يفرض طابعاً أرستقراطياً على مقهاه، أو لكي يحافظ على نقاء تاريخه خوفاً من الفضوليين ومدّعي الأدب، فما لم تكن أديباً أو كاتباً معروفاً، أو حضرت بصحبة شخصيّةٍ معروفةٍ أو ضيفٍ أجنبيّ فإن المنع من الدخول سيكون نصيبك بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة!

يعد مقهى “ريش” بحق ذاكرة مصر الحديثة، وذلك من خلال الأحداث السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة التي ارتبطت به وما أكثرها! فمنه انطلقت الدعوات إلى ثورة 1919، وفيه كانت تكتب المنشورات السريّة لتلك الثورة، وفيه كان يجتمع الثوّار، ومنه كذلك خرجت مظاهرات الاحتجاج على معاهدة “كامب ديفيد”، وفيه كان يجتمع ضباط ثورة يوليو قبل قيام الثورة، وكأنهم يستلهمون من روّاده روح التغيير! وعليه كان يتردّد أدباء وسياسيين عرب كبار وجدوا فيه ضالّتهم الفكرية يوم كانت القاهرة حضن العرب وملاذهم الروحيّ والسياسيّ من أمثال صدام حسين، وقحطان الشعبي، ومحمد الفيتوري، وعبد الوهّاب البيّاتي، ومعين بسيسو وغيرهم الكثير، وعلى كراسيه العتيقة جلس يوسف إدريس، وأمل دنقل، وصلاح جاهين، وتوفيق الحكيم، وو حافظ إبراهيم، وغيرهم، وفي ساحته غنّت أم كلثوم في بداية عهدها عندما كانت لا تزال طفله ترتدي العقال والملابس العربية، وأدّت فاطمة اليوسف عدداً من مسرحيّاتها، وفي ركنٍ منه كان يعقد الأديب الكبير وعرّاب الرواية العربيّة نجيب محفوظ ندوته الأسبوعيّة عصر كل جمعة منذ عام 1963، وعنه كتب الأديب الثائر نجيب سرور ديوانه “بروتوكولات حكّام ريش”، وفيه قال الفاجومي أحمد فؤاد نجم قصيدته الشهيرة: “يعيش المفكّر في قهوة ريش..محفلط مزفلط كتير الكلام..عديم الممارسة عدو الزحام”!

ينقسم المقهى من الداخلين إلى قسمين: الأول يواجهك عند دخولك وهو قسمٌ أشبه بالمستطيل يضم طاولاتٍ على نمط مقاهي باريس غطّيت بملاياتٍ حمر مزركشة أغلب روّادها من الأجانب، حولها كراسي خشبيّة عتيقة نقش على مسندها اسم المقهى، ولا يكاد تخلو طاولة منها من كتابٍ أدبيّ ومشروباتٍ متنوّعة، يتوسّط المكان الطاولة التي يجلس عليها صاحب المقهى ثم تنتقل إلى قسمٍ داخليّ هو عبارة عن طاولةٍ طويلة غطيت بملايةٍ حمراء مشابهة عليها اسم وشعار إحدى الشركات المتخصصة في المشروبات، ويحيط بالطاولة ذات الكراسي الخشبيّة العتيقة، والمكان مصمّم بحيث يبدو كصالون ثقافي، تعلوه صورةٌ كبيرة لنجيب محفوظ في إشارةٍ إلى المكان الذي كان يعقد فيه ندوته الأسبوعيّة منتصف الستينات.

عندما تدخل المكان تشعر برهبةٍ غامضة وكأنك في متحفٍ قديم، وتعتقد أنك رجعت إلى الوراء مائة عام، وأنك انفصلت عن صخب العالم المحيط بك خارج المقهى حيث الشارع المليء بالصخب وبرواده الذين لا ينقطعون عنه صباح مساء، وتتوقع أن تصادف نجيب محفوظ متأبطاً صحيفته اليوميّة وأوراقه في طريقه إلى زاويته التي يقيم فيها ندوته، أو أن ينطلق صوت عبده الحامولي أو سيد درويش أو عبد الوهاب من “الجرامافون” العتيق الذي وضع على زاويةٍ مقابلة للكرسي الأبدي الذي يجلس عليه صاحب المقهى، وعلّقت في أعلاه صورة لأم كلثوم مسترخية على أريكة وهي تضع رجلاً على رجل!

كما يشدّ انتباهك عند دخولك المقهى الصور العديدة التي علّقت على امتداد جدرانه كذكرى وفاء أو (ربما دعاية) لعددٍ من روّاد المقهى من الفنانين والكتّاب والأدباء والسياسيين من أمثال طه حسين، يوسف إدريس، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، روز اليوسف، نجيب الريحاني، مأمون الشناوي، نجيب سرور، يحي حقي، أحمد فؤاد نجم، أنور وجدي، نجيب محفوظ وغيرهم ممن شكّل المقهى جزءاً من تاريخهم!

لا يمكن الحديث عن المقهى دون ذكر أحد أبرز علاماته ألا وهو محمد حسنين صادق أو “عم فلفل” كما يحلو لروّاد المقهى مناداته به، الجرسون النوبيّ الأصيل الذي ارتبطت حياته بالمقهى بعد ستين سنةً من الخدمة بحيث لا يمكن فصلهما عن بعض، والذي يحفظ تاريخه كحفظه لاسمه، ومعرفتي بعم فلفل خلفها حكايةٌ طريفة، وعن طريقه أتيح لي دخول المقهى في أي وقتٍ أريد، ذلك أنني كنت أقرأ يوماً كتاب الأديب يوسف الشريف ” مما جرى في برّ مصر”، وكان يتحدث في أحد فصوله عن المقهى وتاريخه وعن (عم فلفل)، فذهبت له بعدها بأيام بصحبة الصديق الشاعر محمد السناني الذي كان يزور القاهرة وقتها، وفتحت الباب مسرعاً باتجاه عم فلفل حيث فاجأته بلهجتي المصريّة التي أجيدها بمعلوماتي الدقيقة عن المقهى وتاريخه، وعن الكلام الجميل الذي كتبه يوسف الشريف بحقّه، وعن لهفتي الشديدة طوال أربع سنواتٍ سابقة لدخول المقهى، فما كان من عم فلفل إلا أن ابتسم في وجهي مرحّباً بطيبةٍ شديدة، داعياً إياي إلى زيارة المقهى في أي وقتٍ أشاء، وتوالت بعدها زياراتي إلى المقهى في كل مرةٍ أحضر فيها إلى القاهرة لاستعادة ذكريات الزمن الجميل وما أكثرها!

إن أكثر ما أخشاه هو تحوّل هذا المعلم الثقافيّ البارز والذي يعد علامةً مهمةً من علامات القاهرة إلى محل أحذيةٍ أو ملابس، أو مكاناً لبيع العصير، أو فرعاً لإحدى شركات بيع مكائن الماء أسوةً بكثيرٍ من معالم القاهرة الأوروبيّة المجاورة التي كانت شاهدةً يوما ما على زخمٍ حضاريّ كبير ثم تحوّلت في عصر الفوضى الثقافيّة إلى أماكن لأنشطةٍ تجاريّة لا علاقة لها بروح المكان بتاتاً؛ كما حدث لمسارح وسينمات ومقاهي شارع عماد الدين على سبيل المثال، خاصة في ظل قانون الإيجار القديم الذي يخوّل لصاحب المبنى إنهاء العلاقة بين المستأجر والمالك بمجرد وفاة الأول!

**********************
المصادر:
– عدد من مواقع شبكة المعلومات العالمية
– زيارات متعددة للمقهى

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. غالبية المثقفين العرب وبالتحديد الخليجيين لهم ذات النظرة المعتادة للحالة المصرية، نظرة سياحية استهلاكية لا أكثر، يا جماعة الخير يا طيبين، مصر مش كده وربنا، ارحمونا..!

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock