محمد الهادي الجزيري يكتب: لا شامة تدلّ أمي عليّ

لا شامة تدلّ أمّي عليّ

” وحدنا في هذه العتمة ننظر فلا نرى”

 

محمد الهادي الجزيري

 

ماذا تريد يا غسّان زقطان ؟

طلبت مجموعتك لأسترّد بعض الذكريات فألقيتني في أتون أسئلة …

مازلت فلسطينيا خالصا من شوائب العصر..وها إنّي أشرب من جرحك وأبكي..

فلتسمع الدنيا أنا أتحاور مع ” لا شامة تدلّ أمّي عليّ ” مجموعتك الشعرية ..بعد أن أرسلتها في بريدي الالكتروني ..وبعد أن انتقيتُ منها مقاطع غاية في البهاء ..، لن أقدّم غسّان زقطان فأنت ثريّ عن الوصف ولن أتحدّث عن مجموعة من مجاميعك ..فيكفي أن أشير إلى الجرح المفتوح في الشرق فنعرف من أنتَ ..، سأتفاعل مع الشعر الصافي الذي سال عليّ وجمعته في روحي..فلنبدأ …

 

منذ البداية تضعنا في ورطة وفي حيرة لا مخرج منها..تعترف أنّك لا تستطيع أن تغفو ككلّ البشر لترتاح قليلا ..فليس لك حلما تلجأ إليه..الكلّ تعرّى والغابة نزعت كلّ الأقنعة أمّا حلب فقد صارت منفى للإخوة بل لم تعد ” حلب ” كما جرف النهر أباك ..ولم تزل أمّك النائمة تنتظرك لتقول لها حقيقتها المرّة : إنّها ميّتة …

 

” خذيني من يدي يا سارة

أمي نائمة وأبي أخذه النهر

وليس عندي حلم لأنام.

إخوتي أخذهم النساجون إلى حلب

وتركوني هنا لأخبر أمي عندما تستيقظ

أن النهر أخذ أبي

وأن ّ النساجين أخذوا إخوتي

وأنها ميتة.”

 

ما أوحشك أيّها الشاعر..ماذا تريد منّا؟ ..ومن علّمك الوصف الدقيق؟ ..ما هذه الأمّة التّي تنتمي إليها ..محشورة في ظلام دامس ..تحاول أن تبصر أملا قادما فلا ترى شيئا ولا كوكبا قديما أو جديدا يظهر لها لتهتدي ..ولا أحد يمكننا عليه ، لا عصا نصلح بها من عصى أو نضرب بها الثعالب الكبيرة والصغيرة ..، وماذا أيضا ؟ ..، لا طريق آمن نمرّ منه إلى غدنا ..إن كان لنا غد…

” وحدنا في هذه العتمة ننظر فلا نرى

لا نجم لنهتدي

ولا عصا نتوكأ عليها ونهش بها ثعالب التلال

ولا درب لنسلك”

 

قدرنا أن نحبّ ونعطي أكثر ممّا نستطيع ..، قدرنا أن نواصل الغناء ليس لتغيير العالم مثلما يقولون..، بل لكي يطمئن قلبك ..، تعبنا يا أخت من أنفسنا ..من كلّ شيء لنا ..ولم يبق لنا إلاّ اغتنام الشعر فهو مأوانا الأخير..ثمّ حرام والله أن يختفي داخل الحنجرة وفي الأصابع والورقة هذا الصوت الجميل ..إنّه هبة من الله لكي يزيل عنك الخوف وتنامي آخر الليل…

” خذيني معك إلى تلال الحجارين

أجمع لك القش لتنامي في الليل

وأغني في مسالك الجبال فيطمئن فؤادك

خذيني معك, أنت خائفة

“. وصوتي جميل

 

أصمت طويلا حين يتفجّر الشعراء ..، حين يقولون عنّي وعنكم ما لم نقله أو ما لم نقدر على ترجمته ..، هذا زمن يحتاج فيه مطرا مطرا مطرا ..حتّى يختفي الزمن كأنّه لم يكن.. أشياؤنا جاهزة للتلاشي والذوبان ..تحتاج هذا المطر الذي طال علينا انتظاره….

 

 

“تمطر دون توقف وتتنبأ

وتبرق

وترعد

على الشواهد والمنارات

على حكماء البلاط والكهنة والشعراء

على خطباء الساحات العامة والقضاة والممثلين, والأئمة الجدد

والوعاظ والأولاد الغرقى والبنت الموؤودة في الفتوى

تمطر على منتظري البرابرة

وعلى البرابرة الذين وصلوا, دون انتظار, بعد الخاتمة

ونصبوا مخيمهم على حافة الجرف. “.

 

لعلّي ظلمت غسان بقراءتي المتسرّعة ..ويشفع لي أن أقول أنّ هذا القليل من كثير ..وما هي إلاّ لفتة للحديقة الصامتة ….وأترككم مع هذا الكلام الجميل ..والأخير…

” كما لو أن هناك أحياء في الأسفل

تحت كل هذا

يحاولون بدأب ودون جدوى

الصعود إلى هنا “

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حار مني سؤل احريب يلوذ بحريب
    ام بمن هو موكل فظيعا بعذابي
    ام مكابدة لأمر فراق وجفوة وقلى
    كماء مر فوق الربى فدنى ونائ
    مما كابده وهم حوى فدب هزال به
    وكأن نجم دنى فادلى بماء صرى
    بالحاشد الملتف كصعلوك اوى
    فاظطل بوارفته وقد تخض نقمة
    فلم فضوله ومضى كعاصر حبتين
    فاذ بلطف من السماء ينسكب
    ثم دب الظلام وهويتقدم يتلوغناء
    والاطيار مرعوبة ومنظر السماء مهيب
    ولكن السحب بدأت التناسق ليغشى سكونا
    وعاد الظلام وحشاهائج غضوب
    اتت ديمة لارض عطشى تلوب
    ومظاهر مشيئة الطاؤوس وصرعى الحب المميت

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock