د. راشد البلوشي يكتب: آفة الأمر … التقليد الأعمى في السياسة!

د. راشد بن علي البلوشي- أستاذ اللغويات المساعد- جامعة السلطان قابوس

يعرف المتخصصون في التاريخ بأن الدولة العربية الوحيدة التي كانت إمبراطورية في إحدى مراحل تاريخها هي سلطنة عمان، و التي كانت إمبراطورية في القرنين التاسع عشر و العشرين (طبعاً هذا بالإضافة إلى الدولة الإسلامية، في مراحلها المختلفة، والتي لزم أن تكون إمبراطورية، بأمر السماء). وتزامنت الإمبراطورية العمانية مع الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية. و بعد ذلك ظهرت الإمبراطورية اليابانية، إبان الحربين العالميتين الأولى و الثانية، و اللتان أفرزتا إمبراطوريتين جديدتين، الأمريكية و السوفييتية، مع أفول نجم الإمبراطورية اليابانية، و قبلها العمانية، مع انقسام الأخيرة بين الشطرين الآسيوي (عمان الحالية و كثير مما حولها) و الإفريقي (زنجبار الحالية وكثير مما حولها). و كذلك تحجُّم دور الإمبراطوريتين البريطانية و الفرنسية، الأولى في ما يعرف بدول الكومونويلث، والثانية في ما يعرف بالدول الفرانكفونية.

و مع الصعود السريع للإمبراطورية الامريكية، و خصوصاً بعد إضعاف الإمبراطورية السوفييتية و تفكيكها في عام 1991، و صعود روسيا الاتحادية في الألفية الجديدة كوريث للنفوذ السوفييتي، و صعود الصين و اليابان و المانيا كقوى اقتصادية كبرى، و تزايد الصراع على ما أفرزته الحربان العالميتان و الحرب الباردة و حروب الخليج، الأولى و الثانية و الثالثة، و ظهور عامل الإرهاب و الميزانيات العسكرية الضخمة كمحرك للسياسات الدولية، فإن العاقل الحكيم يوصي بأنّ الوضع الدولي الراهن لا يسمح بقيام إمبراطوريات جديدة، و خصوصا إن لم يكن لديها الاكتفاء الذاتي عسكرياً و اقتصادياً و أمنياً.
بمعنى أنه ليس من الحكمة في شيء أن تسعى الدول للتوسع الجغرافي في حين أنها غير مستقلة في قرارها السياسي (تدور في فلك سياسات قوى دولية أخرى، و بالتالي ستكون إمبراطوريات تخدم مصالح و سياسات دول أخرى و لا تتصرف إلا بإذنها)، أو غير قادرة على تصنيع ما يردع أعداءها من الأسلحة المختلفة (تقليدية أو نووية)، أو غير قادرة على الاستمرار في الحياة بدون النفط (و الذي يمكن أن يصبح بدون جدوى إذا ما اتفق الآخرون على عدم استيراده من دولة ما)، أو غير قادرة على كشف ما يحاك ضدها من مؤامرات في الداخل أو الخارج بدون التنسيق الأمني مع غيرها من الدول (بما في ذلك الأصدقاء و الأنداد)، أو غير قادرة على استغلال مواردها الطبيعية و تطوير مواردها البشرية بدون الحاجة للتكنولوجيا و البرامج المستوردة من الدول الأخرى، أو إذا كان سياسيوها يفتقرون للحكمة في تقدير الأمور و اعتماد مبادئ للسياسة الخارجية تجنب دولهم و شعوبهم ما يشهده العالم حالياً من تحزبات و صراعات، و تبني المواقف المدروسة التي تتسم ببعد النظر و تغليب المصالح الوطنية و القومية و الإحسان إلى الجوار (و هم من يسمون بالحديقة الخلفية أو المجال الحيوي في عرف السياسة الدولية) و القدرة على التحرك الدبلوماسي و الإنجاز في المجال السياسي و عدم السماح للعدو بفرض أسلوبه في التعامل مع القضايا المختلفة. و بتعبير آخر، فعالم اليوم لا يحتمل المراهقة السياسية أو المراهقة في السياسة، فليس من السهل أو حتى المنطقي تكوين الإمبراطوريات إذا كانت تابعة أو إذا كانت غير قوية بما يكفي لتقارع غيرها من الإمبراطوريات الموجودة الآن. و لو كان ذلك سهلاً أو حتى منطقياً لعادت اليابان إمبراطورية كما كانت، أو لأصبحت ألمانيا إمبراطورية جديدة.

فعالم اليوم هو عالم الإمبراطوريات الحديثة القادرة على التطور الذاتي و السريع، و القوات المنتشرة في أصقاع الأرض و الطائرات المقاتلة و حاملات الطائرات (المطارات المتحركة) و الأسلحة الذرية و النووية، و الصواريخ الباليستية، و الأسلحة التقليدية المتقدمة جداً و الغواصات و الأقمار الاصطناعية و الاتصالات و الاستخبارات و التطرف و الإرهاب. أي إنه ليس من السهل علينا كعرب دخول نادي الإمبراطوريات و نحن في وضعنا الحالي الذي تسوده الفرقة و الضعف (حيث لم نتمكن من المطالبة و الحصول حتى على حقوقنا في القدس). و بالتالي، فمن الأفضل الابتعاد عن هذا النادي و التعامل بحكمة مع ما يدور من حولنا، إلى أن يبعث الله فينا من يوحدنا على كلمة سواء تصلح شأننا و تلم شتات أمرنا وتعيدنا للصدارة كما كنا، بالفعل لا بالكلام، حيث إننا الآن نفتقر إلى مقومات الإمبراطورية.
وحتى لا يساء فهمنا، فنحن لسنا دعاة ضعف أو خضوع أو خنوع للآخرين أو لأعداء الأمة، و إنما ندعو للأخذ بالأسباب، فإذا كنا أضعف عسكرياً (كما هو الحال)، فلا يجب أن نسمح للطرف الآخر أن ينقل المعركة من السجال السياسي إلى المواجهة العسكرية. بمعنى أنه يجب علينا استغلال كافة مواردنا (بشرية و طبيعية و مواقف سياسية موحدة و صبراً على متطلبات التفاوض) لنكون قادرين على مقارعة الأمم الأخرى. و ليس علينا أن تكون جيوشنا بقوة جيوشهم أو أقوى منها. يقول الله تعالى “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ”، و لم يقل جلت قدرته (أعدوا لهم بقدر ما عندهم من قوة)، و لكن بقدر ما تستطيعون، و الباقي يعوضه نصر الله، “وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ”. فهل استخدمنا جميع قدراتنا و مواردنا في الإعداد لما يجعل الآخرين يحترموننا و يحترمون حقوقنا؟! و كذلك، فإن الإمبراطوريات لا يمكن أن تكون قائمة على الاعتقال و الظلم و الاضطهاد و نشر المرض و تكريس الفقر و الجهل و الضعف و سلب الثروات و الموارد و إفراغ الأمم من مضمونها الإنساني و الحضاري؛ لأن هذه الإمبراطوريات ستكون أقرب للحملات الصليبية و حروب التتار منها للفتوحات الإسلامية، و سيكون مصيرها هو الزوال المحتوم.

ما نتحدث عنه من مقومات الإمبراطورية الحديثة يظهر جلياً في قدرة روسيا، مثلاً، على اختراع “أبو كل القنابل” بعد أن اخترعت الولايات المتحدة “أم كل القنابل”؛ حيث تقول التقارير بأن “قوة القنبلة الروسية تتجاوز أربع مرات قوة الأميركية، مع قدرة تفجير تصل إلى 44 طناً من مادة “تي ان بي” بالمقارنة بـ11 طناً من المادة نفسها في القنبلة الأميركية. كذلك فإن وزن الروسية يعد أخف من الأميركية، حيث تبلغ الأولى 7100 كيلوغرام، في حين أن الثانية تزن 8200 كيلوغرام. وبالنسبة لقطر الانفجار فإنه في الروسية يصل إلى ضعف الأميركية، إلى 300 متر، ما يعادل 948 قدماً” (أخبار العربية). فهل عندنا القدرة كعرب على دخول تنافس كهذا و إحراز تقدم فيه؟ نعم إذا تعاونا واتحدنا و نبذنا خلافاتنا الجانبية و وجهنا مواردنا البشرية و الطبيعية لمثل هذا الهدف، و لكن ليس إذا ما كان هَمُّ كل واحد منا الحصول على بعض ما عند الآخر.

ولذلك لزم التنبيه من خطر التقليد الأعمى في السياسة، وخصوصاً ما تعلق منه باستخدام القوة العسكرية. فصرنا نرى بعض السياسيين في العالم، وهم تعتريهم وتغازلهم الأحلام الإمبراطورية، يتصرفون دون تدبر و تعقل و تقدير صائب للأمور، مما سيجعلهم، و في الوقت المناسب لأعداء الأمة، صيداً سهلاً للمتآمرين الذين يعملون عمل الشيطان، و الذين يزينون لهم كل ما يجرمه القانون الدولي و يعدونهم الحصانة من العقوبة، و لكنهم مع تغير الأشخاص و القوانين و قيادات المنظمات المختلفة، سيورطونهم في شر أعمالهم، و سيكون مآل أفعالهم وبالاً على شعوبهم، من حصار وعقوبات اقتصادية و مطالبة بتعويضات و تضييق في دخول الأغذية و الأدوية إلى دولهم. ذلك أن التقليد الاعمى سيقود صغار اللاعبين في السياسة الدولية (ممن يفتقرون إلى العقل الراجح و الحكمة و صواب القرار في التعامل مع متغيرات الأوضاع الدولية) إلى إحدى نتيجتين: إما أن يفشل مخطط الشر و تقع الإمبراطورية الثقيلة على رأس الطامح لها و تعلمه درس الحياة القاسي (و يصح فيه قول “جنت على نفسها براقش!”)، أو أن يُستغل السياسي المراهق من قبل اللاعبين الأكبر وينتهي به المطاف خادماً مطيعاً لهم منفذاً لما يطلبونه منه بغض النظر عن رغباته و طموحاته (و يبقى رهين قول الشاعر “يا ناقتي .. ولا اشربي .. ولا العصا!”).

 

*مصدر الصورة (الشبكة العنكبوتية)

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock