محمد الهادي الجزيري يكتب: الأعمال الشعرية الكاملة للميداني بن صالح

الأعمال الشعرية الكاملة للميداني بن صالح
كان بيننا ومنّا

محمد الهادي الجزيري

أصدر مؤخّرا اتحاد الكتاب التونسيين وبدعم من وزارة الشؤون الثقافية ..الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الراحل الميداني بن صالح ..، وقد تناول في كلمة قصيرة السيد صلاح الدين الحمادي رئيس الاتحاد الحاليتقديمه وبسط حياته الفكرية والسياسية لمن غاب عنه تاريخ تونس الحديث ..وخاصة الجيل الجديد ..، وقد كان الحمادي وفيّا للرجل الذي رافقه الخمس سنوات الأخيرة من عمره ..فمن رغباته قبل موته نشر أعماله الشعرية الكاملة ..، يقول الحمادي في معرض حديثه عن الراحل:

” إنّ قصائده أيضا قد فتحت له مجالا في قلوب الناس الذين كانوا مدار إبداعه الشعريّ، فضلا عمّا تميّزت به شخصيته الكاريزمية من خصال قلّ أن تجتمع لدى شاعر، فقد عُرف شاعرنا الراحل بشجاعة تصل أحيانا حدّ التهوّر وبحكمة مقترنة بدهاء ساعده على إدارة الاتحاد لأكثر من ثلاثة عشرة سنة..”

الميداني بن صالح عُرف بقصيدة ” قرط أمي ” وهي أوّل شيء يطلع عليه قارئ الأعمال الشعرية الكاملة ….

” ورنتْ لي،

ودموع العين تجري

…خذه يا ابني،

إنّه ذخري الأخير

لك، يا كنزي الكبير.

إنّ هذا القرط من كدّ يميني

إنّ أسلاكه من نور عيوني

وتجاعيد جبيني

كنتُ أخفيه على عين الزمان…”

إذ أنّ القصيدة معبّرة عن حال الأمّ ووضع البيت ..فقد كانت معوزة وكان بكلّ ما فيه لا يساوي ثمن تذكرة السفر من مسقط رأس الشاعر إلى مدينة تونس، ولمّا كان عليه أن يلتحق بالعاصمة للدراسة كبقيّة التلاميذ ..، وجدت العائلة نفسها مجبرة على بيع القرط..وهو كنزها الوحيد…

لمن لم يعرف الميداني بن صالح فرصة هامة للاطلاع على أدقّ تفاصيل حياته ..من خلال قراءة جملة أشعاره التي صدرت بفضل رئيس الاتحاد ودار الاتحاد للنشر والتوزيع ..، كما لا يفوتني أن أذكر ما كان منه ومنّي من صراعات واختلاف انتهى ذكرى..، فالميداني لا يصحّ عليه الآن إلاّ الترحّم وذكر ما قدّمه من كرم وحبّ ..لفائدة تونس وصالح الكتاب التونسيين فترة رئاسته للاتحاد ..، لن أكون كبعض الناقصين ( أكلوا من يديه ولم يذكروا ذلك ..وهو كثير ..) على كلّ رحمه الله وغفر أخطاءه ..، ثمّة رجل لا يفوتني السهو عنه وهو السيد محمد الهاشمي بلوزة الذي افتتح كذلك بكلمة معبّرة تنمّ عن حبّ كبير لهذا الرجل الذي حضنه وهو شاب وأعطاه الكثير..، لذلك قال عنه بلوزة:

” ذلك أنّي أعتبر شخصيا أن الأستاذ الميداني، أو الأستاذ كما كنّا نلقبه، من الشخصيات التي ساهمت بقسط وافر في مسيرتي الأدبية وحتّى الحياتية إذ كنت من المقرّبين إليه والمحبّين إلى نفسه ولازمته طيلة أكثر من ربع قرن ملازمة قريبة….”

ويقول في معرض حديثه عن مسيرته الشعرية:

” ..عموما وكي يكون لهذا التقديم فائدة للقراء الذين يكتشفون هذه المدّونة الشعرية، أذكر بأنّ ما كتبه الميداني بن صالح من شعر يمكن وضعه تحت عناوين ثلاثة تمثل مراحل متباينة من الكتابة هي:

1 ـ المرحلة الوجدانية أو الذاتية وتندرج ضمنها أغلب قصائد ( قرط أمي ) و( من مذكرات خماس ) و ( الليل والطريق ).

2 ـ المرحلية الواقعية أو الايديولوجية  وتضّم مجموعات (زلزال في تلّ أبيب) و( الوحام ) و( الأقنعة ).

3 ـ المرحلة الوجودية أو التصوفية وتضّم مجموعات(أقباس في كهف الظلمة) و(في رحاب المتولي ).

لكن الشاعر الذي كان فيلسوفا وجوديّا في سيرته وحياته امتزج لديه التجلّي المطلق إلى درجة الانفلات من الواقع والإفلات من قيوده …”

سأختم بمقطع من قصيدة ” في رحاب المتولي ” إذ سمعتها من عنده يرحمه الله ..ذات لقاء شعريّ جمعني به:

” هذه النخلة لي،

والظلّ ظلّي…

من سنا الخلد

وإبراق التجلّي…

إنّها ذاتي وكنهي…

إنّها الجزء الذي أصبح كلّي…”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock