محمد الهادي الجزيري يكتب: هذا ملكوتي

هذا ملكوتي …للمكّي الهمّامي

” كان يحمل في راحتيه رؤى لغد قادم
وقصائد مخطوطة بارتباك مهيبْ،
لكأنّ الفتى وسط الزمن العنكبوتِ
نبيّ غريبْ…”

محمد الهادي الجزيري

لا مثيل له أبدا، مثابر في الكتابة ..تُوشك أن تصدّق أنّه يتنفّس شعرا ..يغيب لفترة من الزمن ..ويطفو على سطح الأحداث اليومية بخبر تتويجه وفوزه بجائزة عربية ما ..، لا يتدّخل في معارك أدبية ..لا يشمت أحدا ولا يتقرّب من أحد..حيّي يحبّ الناس ويعشق عزلته حيث يختلي بالقصيدة..، إنّه المكّي الهمّامي الذي صادفته في أيام قرطاج الشعرية وأهداني مجموعته ” هذا ملكوتي ” فماذا أفعل بها وهو رجل لا يتحدّث عن شعره بل العكس صحيح، فشعره يتحدّث عنه ..، كهذا الكتاب متوّج بجائزة دبي الثقافية للإبداع ..وما أكثر جوائزه الشعرية….

اقتربوا منه في صومعته بهدوء وارقبوه وهو ” العاشق يخلق أنثاه ” ..

” وحيدا،

على هذه الأرض،

كنتُ..فقلتُ:

( أسوّيك من دهشتي، وألوذ بفتنة خلقك،

من قبح هذا الزمان، وأفنى من الوجد فيكِ،

كأنّي إله يَرى، في صنيعة كفّيه صورته الأبدية،

عاتية تتفتّح في كلّ شيء، وتضرم في القاع أحلامها،

وتُمجّد ما تشتهيه الحياةُ…)

انظروا إليه كيف يتعامل مساحة الكتابة ..، يمعن فيها جسورا عاشقا ..ولا يردعه شيء أو أحد ..، يفعل ما يريد ببياض الورقة ..يؤثثها بما شاء وما عنّ له ..، ذلك فعل الطفل العابث بالكرة الأرضية وبمن فيها ومن عليها :

” أتقدّم

في مهرجان البياض،

أقامر، أشطب، أمحو الخرابَ…

ولا أعرف الموت،

ما دمت أحبو،

مريض الأحاسيس،

مشتعلا، حافيا،

فوق أرض من اللآزَورد…

أسمّي الرؤى كائناتي الحميمة..

هذا جنوني الكبيرُ…”

قسّم الشاعر ديوانه إلى خمسة فصول ..سمّاها بالأراضي الخمس ..ويتضمّن كلّ فصل على مجموعة قصائد ..، وإن كان الفصل الخامس قد استحوذ على أكبر عدد من النصوص الشعرية ..ومن ضمنها نقرأقصيدة ” ميراث الكتابة ” …

” لا مكان هنا ،

لغموضي العظيمْ…

اقرئيني ، كما تقرئين كتاب عروض:

فعول/ فعول/ فعو…

هذه رغبتي،

أن أكون بسيطا كسنبلة،

وعميقا تماما كجرح قديمْ…

لا مكان هنا ،

لغموضي العظيمْ…”

المكّي الهمّامي يفكّر بصوت عال ..ويقول ما يحسّ به، ها إنّه يتطرّق إلى هادم اللذات ومفرّق الجماعات ..، ويتساءل عن مصيره المحتوم ..بعد زوال هذا العمر القليل ..:

” أفكّر في الموت ، ماذا تَبقى

من العمر حتّى أحاصر دودي؟

أنا بيدق تائه في الدروبِ

وشِعري تَشابه ، ما من جديدِ

أنا محنتي أنني فوضويّ

أعانق مشنقتي و… خلودي

أمارس في هامش الزمن

الانتحاريّ ، أحلام طفل عنودِ..”

مكتوب على ظهر الغلاف ..نصّ رهيف يلخصّ تجربة الشاعر ليس في ” هذا ملكوتي ” بل في جلّ ما اقترفه من شعر ..، وهذا النصّ بقلم الشاعر والجامعي بكليّة الآداب بمنّوبة ..الدكتور حسين العوري..، وممّا ورد فيه :

” في هذا الكتاب الشعريّ ، ينتصب المكّي الهمامي سلطانا ملكوته الشعر، وندماؤه المتنبي ورامبو ولوركا ..سلطان هو ، صولجانه فتنة المجاز ورعيّته الكلمات…، في هذا الملكوت الرحب ، الغامض البهيّ، يتحرّك الشاعر مزهوّا بسلطته، مفتونا بسطوته ..يهشّ بصولجانه فتنصاع الكلمات ، وتتنادى أزواجا وزرافات ..تتعانق وتتعالق، فتغريك هيئاتها وتستدعيك إيحاءاتها، فإذا أنت بين نشوتين: لذّة الحسّ ومتعة الإبحار والكشف..”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock