د. عبدالعزيز الغَريبي يكتب: رحلة قصيرة

د. عبدالعزيز الغَريبي

هناك لحظات يمر بها المرء تضاهي في محتواها وقيمتها الإيجابية ساعات وأياما وسنين، حيث تكون مفعمة بالتجلّي الإنساني وبزخم الأحداث وذروة الأشياء. تلك اللحظات تترك الأثر وتصنع الدوافع وتجعل من الحواجز حوافزَ للعطاء وبذل الحب وكرم الإبداع وبث الجمال للوطن والإنسان، وهي غالباً أشبه بنقاط التحول الإيجابية التي تنعكس في تقديرات المرء لما حوله بشكل جمالي غير مُقولب أو مؤدلج بنمطيات الدوائر المحيطة به. تلك اللحظات تأتينا بصيغة زمنية مُقدَّرة، وفي منظوري لها أن تأتي بهيئة إنسان يمتلك تلك الطاقة الطموحة المليئة بشغف تمريرها لكل من يحظى بلقائه حتى لدقائق؛ هكذا كنت يا أبا ذي اليزن؛ وهكذا كانت رحلتك القصيرة، كتلك اللحظات، التي لا تطول!

رحل عنّا أحد أمجد شبابِ عُمان و ريادييها في مجال التقنية والتصميم المهندس عبدالله بن عوض بن عفره الشنفري مؤسس أوائل المنتديات العمانية (ظفار المجد) ورئيس ومؤسس مساهم للشركة التفاعلية للحلول والخدمات وذلك عن عمر يناهز الثانية والثلاثين.

لقد مر المغفور له بإذنه تعالى بتجارب وتحدّيات تعدّت قدرات وإمكانيات الأغلبية من جيله في وقت مبكر، إلا أنه كان المساند والداعم والمبادر لكل ما يعني رفعة وطنه الذي صدح به مجداً وعزاً في الشبكة المعلوماتية مُمكناً أبناء بلده بأفكار وأدوات التواصل والتدوين، ومتقدماً بذلك على الوسائل والإعلام التقليدي السائد آنذاك، وداعما للخصوصية المحلية والهوية الوطنية بكافة أشكالها السياحية والثقافية والعلمية والأدبية والفنية والإعلامية.

لقد كان بكل نفس هنيّة “شريك النجاح” لأصدقائه في مشاريعهم حيث كان منبعاً للأفكار الإبداعية وموطناً للحلول التقنية، وبنفس الحال كان كذلك مع من لا يعرفهم كأصدقاء، حيث لا يتردد في مساعدة القاصدين إياه بالإرشاد والتوجيه دون مقابل. ذلك العطاء كان “وقود نجاحاته وإخفاقاته” حسب تعبيره -رحمه الله- الأمر الذي عزز وأثرى تجاربه الاحترافية في سوق البرمجة والأعمال بشكل ناجح ولافت نحو تحقيق أهداف أسمى كان في طريقه إليها. وهنا كلماته المحفزة حول الإصرار والعزيمة التي ألهمنا بها في مراحل مبكرة – عام ٢٠٠٣: ‏(( لن أشعر يوماً بالإخفاق سأسعى لتحقيق المراد سأزرع وردة وأسقيها وعلى الحب الصادق سأنميها لن أشكي يوماً مصابي بل سأعيش سعيدا بما أنجزت ))

بعيداً عن صفاته ومواهبه الريادية والمهارية، كان عبدالله (الصديق) وفيّاً نقيّاً لا ينسى أصدقاءه وإن أبعدتهم الظروف بل ولا يتغير عليهم كما من يغيرهم الزمن، كان مؤمناً بالله وقضائه وقدره وحكمته في توازنات هذه الحياة وذاكراً إياهُ في أكثر حديثه؛ كان صادقاً وملهماً في طموحِه وشغفه ومبادراته، ومؤثراً للكثير في تجاربه الوظيفية المليئة بالتحديّات والمتغيرات التي كان يفتعلها محارباً بذلك النمطية في سبيل الإبداع والطموح اللامحدود. ‏

لا أكتب عادة ولا أُجيد الكتابة الأدبية، ولا أرثي هنا إلا نفسي لرحيله ولا أرثيه، فقد لا تليق بمثل عبدالله كلمات النعي كما ينبغي، وأخشى القصور في ذكر مآثره العديدة أو في استدعاء محاسنه المديدة، فسيرة أخلاقه الطيبة وإسهاماته المجتمعية حاضرة في وجدان من عرفوه من زوايا قد تكون أجدر بالذكر من التي أسردها الآن.
فقد كانت الجموع المهيبة الحاضرة لصلاة الجنازة ومراسم الدفن من أعظم شهادات الحب والخير الدنيوية التي حظي بها المرحوم بإذنه تعالى مودعاً، فهذا رصيد صفاء سريرته ودماثة خلقه وجياشة عاطفته الحالمة والمحبة للجميع.
وعلّنا نجد في وسم #عبدالله_الشنفري النشط في تويتر والموجع لأبناء عمان عامة وظفار المجد خاصة بعضاً مما يروي تلك القيم والمآثر التي تركها في نفوس الناس عِزاً وعزاءً لأطفاله وأمه وإخوته وأصدقائه وأقربائه، حيث اختزلت تغريدات من عرفه بعضاً من جمال رحلته القصيرة التي لم تتأخر عن أجلها عندما أتى؛ تماماً كهذه الرحلة التي نترجل منها عائدين من صلالة بعد وداعه في مرقده الأخير، والتي وصلت في موعدها كما هو مُحدد وهذا قليل الحدوث.. إلا أن الله قدّرَ ذلك.. كما قضى بعمر عبدِه.

لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock