د.عبدالله باحجاج يكتب: مسيرات العودة ..وصفقة القرن ” نحن مع من ؟ “

أثير- د.عبدالله باحجاج

عبدالله باحجاج

 

لن ننسى  تصريح نيكي هايلي مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن بعد قرار الرئيس ترامب بنقل سفارة بلاده الى القدس المحتلة في الرابع عشر من مايو المقبل ، فهذا التصريح يكشف لنا المآلات الجديدة للنظام العربي ، والواقع المصاحب له للشعوب العربية والإسلامية  ، فماذا قالت فيه هايلي ؟ وكيف ننظر من خلاله لحالة الصمت العربي بثنائيته – السياسي والشعبي – من انتفاضة الإطارات في فلسطين المحتلة ؟

هي اعترافات أكثر منها تصريحات ، وهي صادمة جدا ،  وتضعنا أمام ضمائرنا كعرب ومسلمين ، ولو كانت تعلم بانها سيكون لها ردة فعل رسمية او شعبية لما فجرتها  ، فطلقتها كقنابل ترامب التي لا تراعي صديقا ولا حليفا ، بل ترمي به في زاوية ضيقة من الخجل والتردي، ومع ذلك تحج بعض الأنظمة العربية نحو واشنطن للحصول على رضا ترامب .

فقد قالت نيكي حرفيًا ” هناك مسؤولون أمريكيون كانوا يتخوفون من أن تنطبق السماء على الأرض إذا ما أعلن ترامب نقل السفارة .. لكنها استدركت قائلة ” إن السماء ما تزال في مكانها “

  • السماء ما  تزال في مكانها .

 ننظر لهذه العبارة من منظورها الدلالي لا اللفظي ، ومن إسقاطاتها السياسية الراهنة على مشهدين مختلفين تماما ، الأول،  الزيارات المتتالية والمتضادة لملوك عرب لواشنطن ، بأجندات وطنية ضيقة جدا ، لا يمكننا اعتبارها حتى وطنية ، وانما سياسية يغلب عليها الفردانية ، لدواعي البقاء في الحكم ، رغم موقف ترامب من قضية القدس المحتلة ، ومن اعتبارها عاصمة الدولة اليهودية ، واعتبار يوم الرابع عشر من مايو المقبل موعدا لنقل السفارة.

 والثاني ، اندلاع انتفاضة جديدة من ابتكارات سلمية ترعب الكيان المصطنع ، وهي انتفاضة ” الإطارات ” التي يسميها الأشقاء الفلسطينيون ” الكاوتشوك ” وقد كانت يوم الجمعة الماضي ، فارقة في تصعيدها ، فهذه الجمعة تعد الجمعة الثامنة في مسيرات العودة التي تنفجر بعد الكشف عن صفقة القرن التي تصادر حق العودة ، فهل هناك من يعقل هذا التناغم الغريب والعجيب ؟ انه مشهد ربما يكون فوق فكر الكثير من ملوكنا العرب ، مشهد ثنائي له دلالات وخلفيات لا بد أن نستنطقها بصوت مرتفع لاحقا .

وقد تم حرق في هذه الجمعة (120) الف إطار قرب الحدود المصطنعة التي تفصل لاجئي مخيمات قطاع غزة عن بيوتهم وقراهم ، ولا تبعد بعضها عن مخيماتهم سوى كيلومترات فقط ، وقد سقط من اجلها في هذه الجمعة ثمانية شهداء ، واصابة المئات ، وهذه مجزرة صهيونية جديدة ، استخدمت فيها قوات الاحتلال الرصاص ضد مسيرة سلمية ، يطالب أصحابها بالعودة لمنازلهم وقراهم المغتصبة .

وهي كذلك جمعة فارقة بما أحدثته من حالة الرعب في صفوف قوات الاحتلال التي لجأت لمواجهة انتفاضة الإطارات باستخدام الرصاص وطيرانها الحربي ، وباستدعاء قواتها الخاصة التي يطلق عليها ” القوات المميتة “

وهي كذلك فارقة في الفكرة نفسها، فما أكثر الإطارات في عواصمنا العربية والإسلامية ، بل اننا نقذف بعد الانتهاء من صلاحياتها في المرادم وامكنة المخلفات دون ان نفكر في إعادة توظيفها ، فكيف فكر هؤلاء الشباب في جعلها سلاح انتفاضتهم الجديدة ؟

وهي كذلك فارقة لأنها فتحت الأفق لمسيرة تحررية من نوع آخر ، يغلب عليها الطابع الشعبي ، والشبابي الطاغي ، ويعيش الكيان الصهيوني الان حالة خوف من الجمعة المقبلة ، لذلك لا نعتقد أن انتفاضة الإطارات ستكون ذات طابع احتجاجي يتيمي ، وانما وفق رؤية كاملة لمسيرة نضالية مشروعة ، يعمل المظلوم على إعمال فكره وعصفه الذهني على ابتكار وسائل لمواجهة الاحتلال رغم عتاده وعدته  وإرهابه .

وهكذا يكون شأن نضالات الشعوب عندما يتعنت المستعمر ويتجبر ويتفنن في وسائل قهره للشعب ، وهكذا سيكون وضع الشعوب عندما تتنصل عنه قياداته السياسية ، وتنفصل عنه نخبه ، لن يظل أمامه سوى خيار الانفجار ، وهذه الرؤية تنسحب على كل الشعوب عندما يمتد فيها الشعور بالمظلومية حتى داخل وطنها ، وبوعزيزي نموذجا ،  وهنا لا ينبغي أن تعتقد هايلي أن تظل السماء في مكانها طويلا ، بل ستنطبق على الأرض – مجازا – وهو آت لا محالة ، وانتفاضة الإطارات خير المثال، وبالتالي ، عليها الاقتناع أن هذا الكيان المصطنع لن يعرف الاستقرار ولا الأمن ، لا بصفقة القرن ولا دونها .. ما دامت دولة محتلة .

  • بيت المقدس أرض الرباط .

هنا تحديدا ، ينبغي تصويب الفكر العربي والإسلامي الذي انحرف عن جادة إيمانه ومرجعياته ، واختلطت عليه المسائل ، وتداخلت في بعضها البعض ، ففقد هذا الفكر الرؤية الصحيحة للأحداث ، وانساق مع الحملات الغربية ، وإعلامها الترويجي ، فغرق في صفقة القرن التي يخطط لها الصهاينة وأعوانهم لابتلاع القدس مع الضفة الغربية ، وأصبح يندب زمانه وملوكه ، فسلم القدس قبل ان تستسلم ، وتفرغ من مكونها الديموغرافي ، ولم يعلم أن ما يخطط له الآن ، يكرس نبوءات إسلامنا العظيم بأن بيت المقدس ستظل ساحة للصراع الى يوم القيامة ، وسيستمر الصراع على أرضها بين الحق والباطل إلى قيام الساعة .

هكذا نؤمن ، وهكذا نخضع مخططات الصهاينة لحاكمية إسلامنا العظيم ، فلدينا هدى يهدينا للرؤية الصحيحة ، ثم الموقف الصحيح ، لم يغادرنا رسولنا ونبينا عليه افضل الصلاة والتسليم الا بعد أن حدد لنا خارطة لطريقنا واضحة لمن له عقل او بصيرة ، لذلك نقول مجددا لهذه المسؤولة الامريكية: لن يكون هناك سلام ولا استسلام دون استعادة القدس المباركة ، لأن هذا قدر إلهي ، وقدر بيت المقدس قديما / وحديثا ، قدرها ان تكون ساحة للصراع بين الجبابرة والقادة من ملوك الأرض. وقد فتحها وحكمها أنبياء وصالحون وهي مسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واليها تشد الرحال ، وفيها الرباط والجهاد .

لن نخشى على قدسنا الشريف ، ولن نقلق على مقاومة الاحتلال ، فالاخوة الفلسطينيون قد خلقهم الله عز وجل حتى قبل ان يولدوا للرباط على هذه الثغور ، وهم في تزايد ديموغرافي يرعب الكيان المصطنع من انفجار سكاني قادم ، لذلك لن نقلق ، لكن القلق على أنفسنا نحن العرب والمسلمين من سلبيتنا لنصرة إخوتنا ، ومن خذلانهم ، ومن التواطؤ مع الصهاينة ضدهم ، سنبين بالنصوص الشرعية مكانة القدس أولا ، وبالنصوص كذلك ، سنبين خطورة موقفنا السلبي والتآمري عليهم ، لعلنا نوصل الرسالة قبل فوات الأوان .

  • التأمل في هذه النصوص الشرعية .

يقول الله عز وجل  {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الإسراء1 ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: َنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى”(رواه البخاري)

لذلك ستظل القدس ارض الرباط والجهاد، ومعنى الرباط  ما قاله  ابن عطية،  هو أن الرباط  هو  الملازمة في سبيل الله. أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام  مرابطا، فارسا كان أو راجلا..وفي فضل الرباط في سبيل الله وردت أحاديث منها:

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:”أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.(صحيح البخاري).

ومن فضائل الرباط خاصة في فلسطين وحول بيت المقدس الحديث الذي رواه ابن عباس قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ” أَوَّلُ هَذَا الأَمْرِ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ خِلافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ إِمَارَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَتَكادَمُونَ عَلَيْهِ تَكادُمَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ أَفْضَلَ جهادِكُمُ الرِّبَاطُ، وَإِنَّ أَفْضَلَ رباطكم عسقلان.

من هنا ينبغي النظر لصفقة القرن ، ومهما كانت مؤامراتها ومهما خذل القدس والمرابطون فيها من بني قوميتنا وديننا ، وتواطؤ مع تنفيذها، إن القدس ستشهد على أرضها معارك وملاحم يتسابق فيها المسلمون لتحقيق وعد الله إما النصر وإما الشهادة .

لكن الحذر كل الحذر من هذا التواطؤ ، مصداقا لحديث نبوي شريف ” المسلم أخو المسلم لا يخونه  ولا يكذبه ، ولا يخذله ، صحيح الجامع ، ولنا في الحديث التالي عبرة وعظة ” ما من أمرئ يخذل امرءا مسلما في موطن ينتقص في عرضه ،وينتهك فيه من حرمته ، الا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته ، وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من حرمته الا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته ، صحيح الجامع .

  • وأخيرا :

دللنا بالنصوص الشرعية الصحيحة ، على ان صفقة القرن أو وعد بلفور أو اية مخططات صهيونية أخرى .. ما هي الا سياقات قد كشفت عنها المراجع الإسلامية الصحيحة ، وانها تدخل في الصراع الأزلي بين الحق والباطل الى يوم الساعة ، وقد أصبح العالم ومعهم الكثير من أنظمتنا العربية يتآمر ويخطط ضد الحق ، للأسف باللاوعي الديني .

إذن ، نحن مع من ؟ هل مع الحق أم الباطل ؟ ليس للقضية من وجه ثالث ، فلنختار الوجه الذي نقابل به رب العزة والجلالة ، فالقضية ليست سهلة ، فهي تمس جوهر إيماننا ، ثم لا ينبغي أن نستسهلها ، فإخوتنا في الدين وفي العروبة يقودون الآن انتفاضة بالإطارات دفاعا شرعيا سلميا عن كرامتهم وشرفهم وأرضهم ، فأقل الإيمان أن نخصص لهم يوميا مساحة من دعائنا أو وقتا للدعاء في صلواتنا بمعية اسرنا الصغير والكبير ، لعلنا بذلك ندخل في طائفة الناصرين لهم  وليس العكس ، لكن كيف بمصير من يخذلهم أو يتآمر عليهم ؟ الله المستعان .

اللهم اجعلنا بهذا المقال ، ومن زودنا بالأحاديث الواردة فيه ، ومن صححها ، ومن قام بنشر المقال وإعادة نشره ، من بين الذين انتصروا لأخواتهم في ارض الرباط الذين تنتهك أعراضهم وحرماتهم ومقدساتهم ، وتستبيح فيها دماءهم البريئة ، ويعتدي على نسائهم أمام مرأى أطفالهم ، وقد خذلهم الكثير منا، فلا تجعلنا معهم ، واجعلنا ممن ينطبق عليهم نصرة المسلمين ، اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock