محمد الهادي الجزيري يكتب: نافذة بلا جدار

نافذة بلا جدار
قصص قصيرة جدّا لمحمد ياسين صبيح

محمد الهادي الجزيري

يتطّرق الكاتب السوري محمد ياسين صبيح في مجموعته الجديدة الصادرة حديثا إلى مواضيع كثيرة وتفاصيل متعددة من حياتنا اليومية الراهنة المهددة بشتّى المحن والحروب والصراعات فمن ذلك مثلا ..، يتحدّث عن القلق مرض العصر..وعن الموت مفرّق الجماعات وهادم اللذات ..، وعن الفقر والظلم والتظاهر بالعظمة وعن كلّ شيء تقريبا ..فعن معضلة الإبداع كتب قصة قصيرة جدا عنوانها ” المبدع ” يتعرّض فيها إلى تفشّي المواهب المصطنعة التي تقتحم الساحة الثقافية من المشرق والمغرب ..وهذه هي القصة:

” وضع السيجارة في فمه، وأمسك جريدته، ووضع رجلا على أخرى،

بينما تتدلّى ربطة عنقه المهملة…

وحاول أن يصبح مبدعا..

استهلك رئتيه بالدخان..واستُهلكت حنجرته بالحبر…”

كثيرة هي المواضيع المطروحة أمام القارئ في هذه المجموعة القصصية التي تراهن على لفت الانتباه إلى صنف جديد من القصّ الذي يميل إلى القِصر والمباغتة والتكثيف ..، فنقرأ قصة ” الرصيف ” مثلا ..عن شخص ما يسير ليلا لا نعرفه ..ولسنا مطالبين أن نعرفه ..فهو في هذه الحال أنموذج للخصاصة والوسخ …

” مشى ليلا بثيابه الوسخة ..

جلس على الرصيف الوحيد ونام ..

في الصباح عندما كان الثلج ناصعا ، كانت بشرته باردة، وثيابه نظيفة جدّا …”

يفتتح المجموعة الأستاذ مصطفى المعطاوي بنصّ تقديمي يرى من ضمن ما يرى في نافذة بلا جدار أنّ  ” المتأمل في هذا البناء يكتشف كيف أنّ للسارد إمكانيات جمالية متعدّدة للتكثيف الدلالي، لخلق الدهشة، لتفريغ الذروة، وبناء المفارقة، وإحداث الصدمة، وتحقيق التوازن النّصي، إمكانات ليست هذه الكلمة في مقام ” قراءة ” لإبراز تجلّياتها وتشكّلاتها، لكنّها إمكانيات خصبة بها تتحقّق شاعريّة المحكي ومن ثمّ متعة التلقّي من جهة، وفتح الآفاق الواسعة للتأويل الفنّي والجمالي من جهة ثانية ..”

يتحدّث كاتبنا عن القناعة ككنز لا يفنى ..وهي كذلك، إذ لا بدّ من إنقاذ العالم أو ما ظلّ فيه بالقناعة والرضا مع الطموح لكلّ شيء ممكن ومتاح ..، أعجبتني هذه القصة لما فيها من معاني ايجابية وهي أكثر من ” سلوك ” عفويّ وإن كان هذا عنوانها ..

” هرول مسرعا في درب البحر  وبيده الصنارة..

جلس يصطاد..

اصطاد سمكة صغيرة..أرجعها إلى الماء..

اصطاد كبيرة فتوسلت إليه أن يتركها..

انتظر برهة مفكّرا في حالها..وأطلقها..

اقتربت كلّ الأسماك منه..

رمت له الحوت الشرس مكافئة ..”

يقول الأستاذ مصطفى المعطاوي في مقدّمته أنّ ” نافذة بلا جدار ” تمثّل حقّا نافذة يطلّ منها المؤلف على أرضه / من جدران تهدّمت ، ونحن لم نخلق بيننا وبين المجموعة سوى نافذة أضيق، أطللنا فقط مخافة أن نؤسر في المحكي فيولد من متعة تلقّيه مقال نقديّ لا مقال نقديّ

ثمّة قصة قصيرة أريد أن أختم بها هذا التقديم لا لشيء سوى أنّها تعبّر عنّي وعنك ..وعن الجميع ..الأغلبية المركونة المنسية ..التي ستدخل يوما ولن تخرج …

رسم ..

خرج من اللوحة للتوّ..

سار في الشوارع المزدحمة والمغبرّة،

راقب من خلف الزجاج روّاد المطاعم وسائقي السيارات الملوّنة..

تحسّس جيبه الفارغ..

في آخر المدينة وجد بوابة مفتوحة..كانت اللوحة الأخيرة..

دخلها ولم يخرج…

مقالات ذات صلة

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق