صالح المحروقي يكتب:عن الثقافة أتحدث

صالح المحروقي- باحث عماني

الثقافة للمجتمع هي قلبه النابض ، وهواؤه المُتنفَّس ، وروحه المتوثِّبة ، ومتى ما صحّت ثقافة مجتمع صحٓت حال أفراده ، واستقام أمرهم ، واعتدل شأنهم، وصاروا إلى أسباب السعادة وطيب العيش أقرب ، وعن المكدرات ومنغصات الحياة أبعد ، فلا غرو إذا أن نالت الثقافة اهتمام كبار المصلحين الاجتماعيين ، ورواد الفكر المتنوِّرين ، وأرباب السياسة المتنفِّذين ، إدراكاً منهم لعظيم أثرها، وخطورة سطوتها ، فالثقافة سلطة وإن بدت خفية المظهر ، إلا أنها بعيدة الغور والأثر.

ولو أننا حاولنا إيجاد تعريف جامع لمفهوم الثقافة لأعيانا الأمر ، ولأعنتنا الجهد ، ولم نخرج بعد كل ذلك بما يتفق عليه الكل دون أن يعترض علينا معترض ، كيف لا وتعريفات الثقافة التي تسردها معجمات اللغة وكتب الفكر والفلسفة يتجاوز عددها المئتين ، فإذا حاول الباحث أن يمسك بطرف من هذه التعريفات تفلت منه الطرف الآخر الذي يليه.

ولعل ما يسهل علينا المهمة قليلا ، هو اتفاق الجميع تقريبا على خصائص محددة في توصيفهم لماهية الثقافة ، فمن هذه الخصائص مثلا هو اتفاقهم على أنها خصيصة إنسانية ، أي إن الإنسان وحده دون سائر الأجناس قادر على تكوين ثقافة ما ، كما أن من خصائص الثقافة ومميزاتها هو أنها فعل مكتسب وتراكمي الطبع ، وهو يتَّسم بالشمولية والاستمرارية ، فلا يمكن القضاء تماما على ثقافة مجتمع ما حتى لو انعدم جميع أفراده ، وذلك لأن آثار هذه الثقافة تظل ماثلة في كتبهم ومخطوطاتهم، وفيما أثَّروا به على المجتمعات المتصلة بهم .

وقد يتوهم البعض بأن الثقافة محصورة في الأعمال الأدبية والفنية من شعر ونثر وقصة ومسرحية ورواية ، معتقدين أن المرء لابد أن يكون له نتاج أدبي أو فني حتى يكون مثقفا، ولعل ما جرّهم لهذا الوهم هو سلوك وسائل الإعلام إذ تزج بلقب ” المثقف ” أمام أسماء أصحاب الأعمال الأدبية في كل مرة تستعرض فيها أعمالهم، رغم ما قد يعتري هذه الأعمال من فقر في المحتوى والمعرفة .

ونحن نرى أن لب الثقافة وجوهرها الأساسي لابد أن يتمثل في المعرفة ، فما الثقافة إلا تراكم معرفي ذو طابع مُكتسَب ، يحاول أن يصف واقعا أو يغير منه ، ولذلك فإن من يمتلك المعرفة يمتلك الثقافة بالضرورة ، ويجوز لنا حينها أن نخلع عليه لقب “مُثقّف” ، حتى وإن لم يكن له حظ من عمل أدبي أو فني أو فكري .

والثقافة ذاتها يمكن أن تكون مادية أو غير مادية ، فالمادي منها هو ذلك الجزء المحسوس المتّصل بحياة الناس مثل نوع لباسهم والطريقة التي يمارسون بها الزراعة والصناعة والبناء والنقل والمواصلات ، وأما غير المادي منها فهو ما يتصل بالجانب المعنوي من حياة الناس كالأخلاق والقيم والقوانين والمعارف والأفكار والعادات والتقاليد.

وحينما انبثق مفهوم الثقافة لأول مرة، كان يُنظر إليه على أنه شأن فردي خالص ، ولكن مع أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلادي برز إلى السطح مصطلح جديد هو ” ثقافة المجتمع ” ، وقد تعزز هذا المصطلح وذاع صيته مع منتصف القرن العشرين ، وما زال كذلك حتى أصبح من المسلمات الحديث عن ثقافة المجتمع باعتبارها جانبا مستقلا عن ثقافة الفرد ، رغم تأثيرها به ، وتأثرها به هي الأخرى كذلك.

وينبغي الإشارة هنا إلى أن ثقافة المجتمع ليست حصيلة مجموع ثقافة أفراده ، كما أن المجتمع نفسه ليس مجموع أفراده ، وقد يصعب على القارئ تقبل هذه الحقيقة معتبرا إياها نوعا من المغالطة للمنطق العقلي ، بينما لو أخضعنا هذه الحقيقة لحكم علم الاجتماع الإنساني، سنجد أن ثقافة المجتمع أكبر من مجموع ثقافة أفراده ؛ لأنه وكما أوضحنا آنفا، فإن من خصائص الثقافة هي التراكم والاستمرارية ، وهاتان الخاصيتان، على وجه التحديد، كفيلتان بأن تُحيلا ثقافة المجتمع إلى ثقافة أكثر شمولا وأعظم تأثيرا من مجموع ثقافة الأفراد الذين يعيشون فيه في وقت ما .

وبالعودة إلى الحديث عن أثر الثقافة على تطور المجتمع وتحضره ، فيجب على المثقفين ورواد الفكر التنبه إلى أن نشر الثقافة لوحدها لا يكفي لتحقيق حضارة المجتمع ، فرغم أهمية الثقافة كعنصر حيوي لنهضة الشعوب وتقدمها إلا أنها لكي تُحدث أثرها المطلوب فيجب أن يرافقها أو يسبقها نهضة في مجالات أخرى عديدة ، كالنهضة في الجانب الاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي والأمني ، وسيكون من العبث محاولة النخب الثقافية توجيه المجتمع نحو الحضارة والتقدم عبر إطلاق شعارات بليغة رنانّة ، في الوقت الذي يئن فيه المجتمع تحت سياط الفقر والظلم الاجتماعي ، أو يعيش حالة من الانفلات الأمني والانهيار الأخلاقي.

ولا يعني هذا إنكار دور المثقفين في بناء وتطوير الوعي العام للمجتمعات ، بل على النقيض من ذلك ، فإن النخبة المثقفة يفترض بها أن تمارس دور الموجه والمرشد للمجتمع ، وعلى المجتمع أن يهيئ الوسائل الملائمة لتسهيل التواصل بين فئة المثقفين وبين عموم الشعب ، وعلى الحكومات أن توفر لهذه النُّخب مساحة من الحرية الفكرية تمكّنها من ممارسة دورها التوجيهي والإصلاحي بدلا من التضييق عليها أو مصادرة أفكارها ؛ فالمجتمعات لا يمكن أن تتقدم بزيادة عدد المتعلمين فيها فقط ، بل لابد أيضا من وجود نخبة مثقفة ترسم معالم الطريق لمستقبل هذه المجتمعات إن كانت تريد بحق الانعتاق من ربقة الرجعية والتخلف.

وهذا الدور التوجيهي لفئة المثقفين هو ما دعت إليه مدرسة أرسطو الثقافية ، وهو أيضا ما نص عليه قرآننا الكريم في آياته العديدة التي تدعو إلى إحالة القرار وقت النزاعات إلى أولي الأمر بما يملكونه من قدرات على الاستنباط تمكّنهم من تمييز ما ينفع المجتمع مما يضرّه ، كما أنهم بما يملكونه من معارف قادرون على استشراف ملامح المستقبل ، وتهيئة أسباب النجاح له ، ومثل هذا الدور التوجيهي مارسته مجالس الشورى والرأي في عصر الخلافة الراشدة ، كما مارسته الطبقة المثقفة في أوروبا في عصر النهضة ، ونجد لهذا الدور نموذجا حديثا متمثلا في المسار الذي خطته اليابان لنفسها من أجل التعافي من كبوتها بعد الحرب العالمية الثانية ، وفي كل هذه النماذج التي ذكرناها تحققت لهذه المجتمعات درجة غير مسبوقة من التقدم الإنساني والحضاري ، مما يِؤكد نجاعة هذا المنهج وكفاءته .

وإذا كانت الثقافة هي روح المجتمع وحياته ، فإن هذه الروح إنما تنبعث في أوصاله حينما تتدافع فيه الأفكار الحية والمتجددة ، وحين تتلاقح فيه الرؤى والآراء البناءة والنيرة ، فيتخذ من تموجاتها الفكرية بوصلة تقوده إلى ما هو نافع له ؛ ومن أجل أن يتحقق هذا التدافع والتلاقح المثمر للأفكار نشأت الحاجة للملتقيات الثقافية لتكون ظرفا زمانيا ومكانيا يجتمع فيه أصحاب الاختصاص من علماء وباحثين ومفكرين ، بهدف رفع مستوى الوعي الثقافي ، وتحقيق الترابط الاجتماعي بين أفراد المجتمع بمختلف فئاته العمرية وشرائحه الاجتماعية.

ونحن في ولاية إزكي ، ولله الحمد والمنة ، وبفضل مبادرات وجهود أهلية انبرى لها نخبة من شباب البلد ، فقد خطونا خطوات كبيرة نحو تفعيل دور الملتقيات الثقافية ، فها هو ملتقى ازكي الثقافي يستهل في هذه الأيام دورته الثالثة ، بعد النجاح الباهر الذي حققه خلال العامين الماضيين ، نجاح لم يزد القائمين عليه سوى إصرارا وعزيمة على إخراج نسخته الثالثة على أعلى مستوى من المهارة والحرفية ، ظهرت جلية على كل مظهر منه ، بدءًا من مستوى التجهيزات الفنية والمادية ، إلى الاختيار الموفق لموضوع الندوة ومحاورها ، إلى استقطاب أعمدة المفكرين والباحثين ، إلى التنوع الواسع في الفعاليات والأنشطة المصاحبة ، إلى التوجه الذكي نحو إشراك أكبر عدد من شرائح المجتمع وأطيافه ، وإلى التعاضد واللحمة الأهلية التي تكاتفت معا في سبيل إحياء تراث البلد ، وإذكاء روح الثقافة بين شبابه .

ورغم ما قد يعتري هذه المبادرات من نقص كحال أي جهد إنساني آخر ينشد الكمال ولا يبلغه ، فإن من الجحود إنكار ما تسهم به هذه الملتقيات من إثراء للمشهد الثقافي المحلي ، ولعل الذين يرون في هذه الملتقيات مجرد احتفاء شكلي لا طائل منه ، هم على الأرجح من غير المتابعين ، أو ممن يراقبون من بعيد ويحكمون بلا دليل !

وهذه الملتقيات وإن لم تكن قد استوفت بعد كل أهدافها المرجوّة ، فإنّا نراها ماضية نحو هذه الغاية ؛ فصدق النية وسلامة التوجه لدى القائمين عليها ، حقيقان بأن يبلغا بها إلى غايتها القصوى ، وإنّ المراقب للشأن الثقافي المحلي بالولاية ليستطيع تلمُّح بوادر لحراك ثقافي لم يزل آخذاً في التبلور على مدى الآونة الأخيرة ، ولعل أبرز مظاهر هذا الحراك هو زيادة معدل إقامة المحاضرات الثقافية والأمسيات الشعرية ، والمسرحيات الهادفة ، والمراكز الصيفية الداخلية ، والمعارض الفنية والأثرية ، وهنا يأتي ملتقى إزكي الثقافي ليشكّل واسطة العقد لهذه الأنشطة ، مما يدلّ على أن الحراك الثقافي في الولاية هو فعل مستمر وليس محدودا بفترة زمنية معينة .

وهذه الاستمرارية هي ما نطالب به ، ونشدُّ عليه ، وهو ما ينبغي أن يمثل محور اهتمام القائمين على الشأن الثقافي المحلي ، فنحن لا نريد ثقافة ضيقة محصورة في فضاء القاعات ، أو أروقة الجامعات ، بل نريد ثقافة تغزو كل بيت ، وتتسلل إلى كل زاوية ، لتمارس عملها في إرشاد الناس وتوجيههم . كما أننا لا نريد مثقفين منزوين على أنفسهم ، أو متقوقعين في أماكنهم ، بل نريد مثقفين يجالسون الناس ويباسطونهم ، يعايشون آمالهم وآلامهم ، ويخبرون معاناتهم وأحلامهم ، وعندها فقط ستغدو كلمة هؤلاء المثقفين مسموعة ، ودعوتهم للخير مُصدَّقة ، وبغير ما ذكرت ستضيع جهودهم عبثا ، بل وقد تُفسَّر تلك الجهود على أنها محاولة لصنع شهرة ومجد شخصي!

وأكثر من هذا ، فإننا ندعو إلى تعميم مبدأ الاستمرارية ليتمخض عنه تراكم معرفي مُؤطرٌ بإستراتيجية ممنهجة ، تضمن لنا أن ما يتم تحقيقه في هذا العام سيتم توظيفه والاستفادة منه في الأعوام التالية ، تجنبا لتشتت الجهود نتيجة عدم التركيز على جانب معرفي محدد.

وعطفًا على منهج الاستمرارية ، فنحن بحاجة أيضا إلى التجدد ؛ إذ لا بد من تجديد المواضيع المطروحة للنقاش لكي تلامس تطلعات الشباب واهتماماتهم ، وينبغي تطوير أساليب عرض المعلومة لهؤلاء الشباب من خلال استخدام وسائل مرئية تفاعلية ، كما أننا نحضُّ على التنويع الذكي في طرق التقديم عبر إدخال عناصر جديدة كالفكاهة والتشويق بغية استقطاب اهتمام الشباب ومغازلة مزاجهم.

و يجب أن يشمل التجديد أسماء الشخصيات المشاركة في الندوات ، والعمل على تلافي تكرار أسماء بعينها ، لأن هذا قد يكون أحد أسباب عزوف الشباب عن الحضور والمشاركة .

وحتى لا نُحمِّل مسؤولية الشأن الثقافي كله على اللجان المنظمة ، فإن على شباب الولاية عموماً ، لاسيما الفئة المثقفة منهم ، أن يتبنوا موقفا أكثر إيجابية تجاه هذه الملتقيات الثقافية ، وعليهم أن يسعوا قدر استطاعتهم للمشاركة فيها ولو بمجرد الحضور والإستماع ، كما أحثهم على التجاوب بشكل أفضل مع الدعوات المطالبة بعمل دراسات عميقة وجادة فيما يخص بتراث الولاية وتاريخها ، فنحن لا نريد أن تبدو الولاية كما لو أنها فقيرة بالإمكانات العلمية والفكرية ، بينما هي في واقع الحال تعجّ بأصحاب المواهب والقدرات الذين لو توافرت لهم الرغبة الجادة لأخرجوا لنا إبداعات علمية وفكرية رصينة تستحق أن نفاخر بها الآخرين .

وقبل كل هذا وذاك ، فعلينا أن ندرك أن المعيار الحقيقي لنجاح هذه الملتقيات هو ليس ما تحصده من زوبعة إعلامية ، ولا ما تجنيه من سيل المديح والمجاملات أمام عدسات الكاميرات ، بل الفيصل الحقيقي لهذا النجاح هو ما يعقب هذه الملتقيات من آفاق واسعة في فضاءات الفكر والأدب والأخلاق التي يغرسها المشاركون في عقول الشباب والناشئة من أبناء الولاية ، لينشأ بيننا جيل معتز بثقافة بلده ، محافظ على تراثه وهويته ، ومدرك لحجم التحديات المحيطة به ، فالشباب هم عماد هذا الوطن ، والثقافة الصحيحة هي خير ضمانة للحفاظ عليه .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock