محمد الهادي الجزيري يكتب: ماذا أسميك

نصوص حميمة لإبراهيم الهاشمي
” صرتُ أنتِ..ولم أجد ذاتي إلاّ معكِ “

محمد الهادي الجزيري

كيف يتعامل الشاعر مع النثر..، هل يخاف منه ترى أم يدخله بأسئلته الحارقة ..، هذا ما فعله إبراهيم الهاشمي في هذا المتن النثري الذي سمّاه ب ” ماذا أسميكِ ” وأدرجه في خانة معروفة ” نصوص ” لكي لا يسطو على مملكة أحد ..، فمن البداية يؤطّر تجربته بكونها محاولة في فتق النصّ النثري واستنطاقه حتّى يقول ما لم يقله من قبل..، لذلك بدأ استجوابه لفكرة أزليّة / خالدة ألا وهي ” الحبّ ” …..

فمن البداية يلقي أسئلته ..يجترها ويكرّرها في فمه وفي ذاته الكاتبة لعلّه يظفر بجواب شافي يقول في السطر الثاني لنصّه الأوّل:

” هل الحبّ أمل أم ألم لا بدّ أن نتجرّع كأسه لنعرف معنى الحبّ وقيمته ..أم هو ادّعاء لتغطية الفشل..”

ويواصل هذا الإلحاح على طول النصّ..، يعيد صياغة سؤاله ملغّما ويدسّه بين الكلمات وفي النهاية يصل إلى الحلّ أو الخلاص.. فيوجّه خطابه إلى شاغلة البال :

” ارفعي رأسك عاليا وافتحي عينيك بكلّ اتّساعهما ..وافتحي قلبك فالهواء عليل ..والحبّ أسمى من كلّ شيء. “

وزّع إبراهيم الهاشمي نصوص مجموعته على مائة وخمس صفحات، وافتتحها بنصّه الملغّم المدسوس ” ارفعي رأسك عاليا ” وختمها بنصّ عنوانها ” من أنا بدونك “..وحقيقة أريد أن أشكر الكاتب على حرصه على جودة الطباعة والإخراج ..، نعود إلى نصوصه ونقرأ ” صانعة الفرح ” المقدّمة بجملة مفردة لبرتولد بريخت يقول فيها:

” أظنّ دائما ..أبسط الكلمات قد تكفي حين أقول..”

هنا يبوح العاشق بالفرح والسكينة ..يبوح بالراحة والهدوء بقرب من يحبّه ويأنس بالتواجد معه ..، فيشهق بالحبّ وكلّ مسمّياته في جمل تبوح بالطمأنينة وربّما أسمّيها السرّ:

” أيّ مقام هذا المقام الذي رفعتني إليه…

الراحة والطمأنينة..والأمل بالقرب منك..

يا صانعة الأحلام الخفية..يا منطقة الحروف بمعناها الأعذب.

يا ألوان الفرح الطاغي..

يا من ولجت معها معالم الغيب الشهيّ البهيّ..

دعيني أبوح لك بالسرّ..”

ما أفدح المتيّم في مبتغاه..يريد أن يسمّي نفسه باسم حبيبته ..حين يعجز عن الكلام والوصف والتعبير ..يقول لها : ” سمّيني إيّاك ” ويذهب إلى أقصى المعنى ..، يطوف بالكلام حولها وينثره تحت ظلالها صورا ومجازات وحرائق لا يشعر بها إلا من كان صبّا يشتهي أن يسمع اسمه من بين شفتيها ..بل يقول ولا يخجل من القول الحقّ:

” بين يديك أنا ..رضيع ..فطيم ..يافع ..طائش..رزين..كهل..فتيّ تصيبني هتهتة كلّما لامستني أنفاسك العذبة..، فأستعذب معك الوصب والنصب وكلّ لافح..”

لعلّي لا أفشي سرّا إن قلت إنّ الكاتب يحاول الحلول في من يحبّ بالكتابة ..بالحروف والجمل ..بالنقاط إن أمكن ذلك ..، هو لم يعد يريد شيئا إلاّ الذوبان فيها والامتزاج معها في كيان واحد ..ولم يجد ذلك الكيان إلاّ في الكتابة ..، يوغل في غابة الأبجدية ساردا سهده وأرقه واضطرابه وقلقه ..لكنّه لا يرضى بذلك بل يطمح إلى ذلك ويريد أن يتسمّى باسمها وأن يتّصف بصفاتها ..فيسكن في من يحبّ ويصبح هو/هيَ :

” تخترقينني ذات نوم ..وتشعلين الوسن…

حتّى يرتجف كلّ الشجر..

وتجفل الشمس ..وتمنحنا بريقها ..

وتحضرين حتّى يغنّي الجسد ويعترف..

أنّني وحدي فيك…”

على مشارف نهاية المجموعة يدعو إبراهيم الهاشمي من يحبّ إلى الضحك ..إلى ضحك حلو رقيق حميمي ..ليستلذّ داخل النصّ وخارجه ..، وإنّنا ندعوكم للاستمتاع بهذا المقطع المأخوذ من نصّ بعنوان ” اضحكي ” :

” لضحكتك طقوس أعشقها ..بين لعثمة مغناج وأكل للحروف والكلمات، وشهيق وزفير يشعل القلب حدّ الوله..وعينين تضيقان لترسما خطّ الأمان والبهجة.

لضحكتك عيني طفل مشاكس ونغمة أمّ رؤوم وانعكاسة قمر على صفحة ماء..ورائحة معرشة بالياسمين..

اضحكي..

يا لـ هذه الضحكة ..وكأنّها نهر سلسبيل مصفّى..”

مقالات ذات صلة

اترك رداً