أمجد ناصر يكتب: الصراع على المُهلَّب بن أبي صفرة

رصد-أثير

نشر أمجد ناصر عبر حسابه في “الفيسبوك” مقالا عنونه بـ “الصراع على المُهلَّب بن أبي صفرة”

وترصد “أثير” المقال للقارئ الكريم بنصه

الأرض لا تتغير. أقصد لا تغير موقعها، كأن تكون هنا فتصبح هناك. حدث هذا في زمنٍ بعيد جداً عندما انشقَّت بفعل انهداماتٍ كبرى، غمرتها مياه صارت بحاراً. فالبحر الأحمر لم يكن بحراً ولم يكن أحمر. حدث صدع أرضي رهيب بين منطقة الخليج العربي، الحالية، وما يقابلها من أرضٍ في القرن الأفريقي. صارت هنا آسيا، وهناك أفريقيا.

لكن هذا حدث قبل أن تكون هناك خرائط وتسميات. نحن من سمَّى المناطق الناشئة عن تصدّع الأرض: آسيا، أفريقيا، الخليج، السودان، إثيوبيا، الأردن، ولاحقاً لاحقاً لاحقاً: السعودية. من دون الدخول في التفاصيل الناشئة عن الانهدام الكبير وتخلخل الأرض وتغيير شكلها، فهذا أمر آخر.

تسميات البلدان حديثة قياساً بعمر الأرض. لكن تظل هناك تسميةٌ أسبق من أخرى، والأمر يتعلق بسكنى هذه الأرض، وعمرانها، على غير صعيد. هناك بلدان، أقصد تسميات، بنت الأمس فعلاً وهناك تسمياتٌ عمرها آلاف السنين. مثلاً، مصر. كل الذين غزوا مصر غزوها لأنها مصر. لم تكن مصر شيئا آخر، في نحو سبع ألفيات، غير مصر التي نعرفها اليوم، تقريباً. بيد أنَّ قوماً من الذين غزوا مصر لم يتجرأوا على تغيير اسمها ونسبتها إليهم. الممالك غير البلدان. هذا واضحٌ. ممكن أن تسمى مصر، في لحظة تاريخية، المملكة الأيوبية (لا وجود لهكذا تسمية، إنها مجرد افتراض)، غير أنها تظل تسمى المملكة الأيوبية في مصر. اسم مصر غالبٌ على كل ما عداه. لأنه ببساطةٍ أقدم. والقادمون إليها أحدث. هذا يقودني إلى أسماء بلدان عربيةٍ خلعت عليها في عمرنا، أو عمر آبائنا. اسم السعودية نشأ في عمر أبي، أما اسم الإمارات ففي عمري.

عشتُ هذا الاسم. لأنه ابن نحو أربعين عاماً. لكن من منا عاش اسم عُمان؟ لا أحد. فهذا اسمٌ سابق على كل ما يحيط به من جغرافيا. لا أحد يمكن له أن يسمي، اليوم، الساحل الممتد من سبخة مطي إلى رأس مسندم بغير الساحل الإماراتي. هذا هو اسمه اليوم بفعل قيام الدولة وترسيم الحدود وتوثيق العقود والاتفاقيات بين الدول الناشئة. لكنَّ أي متصفحٍ لكتاب التاريخ لا يقع على تسميةٍ كهذه قبل خمسة عقود. لا وجود لهذه التسمية.

ما كان معروفاً إنه الساحل العُماني، أو ساحل عُمان، وربما، كان اسمه ساحل المشيخات المتصالحة، وهو اسمٌ اخترعه البريطانيون لغايات سياسية آنية. لم تكن عُمان كما هي عليه في حدودها المعترف بها دولياً اليوم. كانت أكبر من ذلك بكثير. كانت تضم كل الأرض التي تسمى دولة الإمارات العربية المتحدة.

فأي حديثٍ عن حلقة حضارية، أو شخصيةٍ تاريخيةٍ ولدت في تلك الأرض يعني الحديث عن عُمانيتها. فهذا هو التاريخ، ولا نستطيع تغييره، ولا خلع اسم اليوم عليه غير اسمه لصنع هوية جديدة من عناصر قديمة. كان غريباً جداً أن تسمّي الأدبيات الآثارية الإماراتية حلقة حضارية معروفة باسم “أم النار” (في العصر البرونزي) حضارة أم النار الإماراتية، لمجرّد أنها حدثت في جزيرة أم النار في أبوظبي الحالية!

أيسمى السابق باسم اللاحق؟ أينسب الجد للحفيد؟ غير ممكن. وإلا لسمينا الحضارة النبطية باسم: الحضارة النبطية الأردنية، لأنَّ شطراً كبيراً من مسرحها يقع في المملكة الأردنية الهاشمية! هذا الكلام تنويعٌ على الجدل الدائر بين الإمارات وعُمان حول نسب الشخصية الإسلامية الشهيرة المهلب بن أبي صفرة: أهو إماراتي أم عُماني.

لقد جلت، قبل عقد أو أكثر، في ديار قبيلة الشحوح في دولة الإمارات. كان برفقتي صديقٌ من القبيلة نفسها. وعرّفني إلى معالم ديار قبيلته وأبرز تواريخها. عندما عدت إلى لندن، قرّرت أن أقرأ عن قبيلته: من هم؟ لماذا سمّوا بهذا الاسم؟ وغير ذلك من أسئلةٍ طرحتها علي الرحلة. في قراءة المصادر التاريخية عن الشحوح وديارهم، طلع لي اسم المهلب بن أبي صفرة باعتباره من منطقة دبا.

ويبدو أن قسماً من سكان هذه المنطقة ارتدّ عن الإسلام في عهد الخليفة أبي بكر، فأرسل إليهم جيشاً هزمهم وأعادهم إلى الدين، بل إن جيش الخليفة الأول ساق أسراهم إلى المدينة، ومن بينهم المهلب بن أبي صفرة، أو ربما والد المهلب بن أبي صفرة، فعفا عنهم بعد تدخل الخليفة الثاني عمر. كل المصادر التي قرأتها، آنذاك، كانت تشير إلى أن دبا من إقليم عُمان.

فها هو ياقوت الحموي يقول عن دبا: “إنها سوقٌ من أسواق العرب بعُمان (…) مدينة قديمة مشهورة، لها ذكر في أيام العرب وأخبارها وأشعارها، وكانت قديماً قصبة عُمان”. هل نعيد كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي؟

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock