د.عبدالله باحجاج يكتب: نكبة 14 مايو .. نهاية النهاية للحقبة الأمريكية .

أثير- د.عبدالله باحجاج

لم يعد لدينا أدنى شك ، على وشك انتهاء الحقبة الأمريكية على العالم ، وكذلك مرحلة الاستفراد بالمجتمع الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي 1991م ، فأية قوة تصل الى الظلم المطلق ، والجهر به دون خوف او نوبة ضمير ، فذلك معناه بداية نهايتها القريبة والسريعة ، وواشنطن في عهد ترامب وإدارته المتصهينة ، يدشنون بداية النهاية ، وأحداث غزة الدموية المتمثلة في استشهاد (58) من غزة بينهم ثمانية أطفال وجرح (2771) برصاص قوات الصهاينة ، تقود هذه النهاية بعد أن خسرت أمريكا موقعها كوسيط للنزاع العربي الصهيوني بنقل سفارتها الى القدس المحتلة .

هذا ليس كلاما ديموغوجيا نتيجة انفعالات عاطفية على مجزرة الأمس ، أو على نكبة ترامب بنقل سفارة بلاده الى القدس المحتلة ، وإنما حقيقة سنؤكد عليها في مقال اليوم ، لكي نصل الى حقيقة ان نقل السفارة الامريكية ، وإطلاق يد الصهاينة على ارتكاب تلك المجزرة ، هي بداية النهاية القريبة .
ويقينا لولا أموال بعض دول الخليج العربية ، لكانت صيرورة نهايتها قاب قوسين أو ادنى ، على غرار ما حدث للإمبراطورية البريطانية في منطقة الخليج في بداية السبعينيات ، من هنا يمكن القول بأن على خليجنا أن يقرأ المشهد الدولي كما يجب لا كما ينبغي – هو – .
فالعالم قد دخل صيرورة التحولات الكبرى التي يحدث فيها انهيار دول عظمى ، وبروز نجم دول أخرى ، وبالتالي ، من سيكون على حساب أمريكا مثلما كانت هي على حساب بريطانيا ؟ وهل سيستدرك الوعي السياسي الخليجي أمره قبل فوات الأوان أم سيربط مصيره بمصير القوة الظالمة المتراجعة ؟

للأسف هناك ربط وارتباط محير للعقل ، ليس على مستوى الجغرافي الخليجي ، وان ظهر بصورة لافتة وقيادية ، وإنما اغلب الجغرافيات العربية والإسلامية ، التي ظلت صامتة ومتفرجة على ايفانكا ابنة ترامب وهي تبتسم في اليوم المشؤوم وفي وقت يسقط فيه الشهداء والجرحى برصاص قوات الصهاينة .
فمن سيقود المرحلة الدولية المقبلة ؟ تساؤل سنحاول الإجابة عنه بكل موضوعية ، ومن خلال معطيات ملموسة ، لن نقول الصين التي تلاحق أمريكا اقتصاديا للإطاحة بها من مركزها العالمي الأول ، والتي غيرت دستورها لكي يسمح لها بخروج جيشها الى ما وراء البحار لحماية مصالحها الاقتصادية في أية بقعة في العالم ؟ فذلك قد أصبح معلوما ، لن نقول روسيا التي تأتي في المرتبة ثانيا بعد واشنطن في القوة العسكرية ؟ فذلك أيضا قد أصبح معلوما بالضرورة .
• أوروبا تقود الصيرورة الزمنية الجديدة .
كنا نتابع إرهاصات بروز قوة جديدة / بديلة من داخل القارة الأوروبية نفسها ، منذ مجيء ماكرون للرئاسة الفرنسية 2017، وكل من يتابع تصريحاته قبل وبعد توليه الرئاسة ، سيجزم ان أوروبا ستقود الصيرورة الجديدة ، ويكفي هذا مؤشرا يدفع بنا الى تتبع خيوطه ، وقدرته على تحريك المياه الراكدة في القارة العجوز التي ارتضت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945، ان ترتمي في التبعية الأمريكية ، ولم يكن الاستشراف يذهب الى نحو فك العلاقة التاريخية بين أوروبا وأمريكا إلا مؤخرا .
هذا الواقع قد بدأ ينكشف لنا على وجه التحديد منذ إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران ، وفرض عقوبات اقتصادية عليها وعلى الشركات الأوروبية التي تتعاون معها دون أن يستمع إلى أهم حلفائه الأوروبيين ، خاصة ماكرون وميركل اللذين حاولا إقناعه عبر زيارتين لواشنطن منفصلتين ومتتابعتين بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي ، ففشلا ، كما فشلا في عدم فرض عقوبات اقتصادية على الشركات الأوروبية .
والنتيجة التي تترسخ الآن في أذهان الدول الثلاث بإضافة بريطانيا ، أن الولايات المتحدة في حقبة ترامب، شريكا «خارجا عن السيطرة» ولم تتردد المستشارة الالمانية ميركل القول أمس الأول بأن الزمن الذي كانت أوروبا تعتمد فيه على الولايات المتحدة لحمايتها قد ولى ، ويرى المراقبون أنه لم يصدر هذا الكلام عن ميركل إلا بعد أن ضاقت ذرعا بانتقادات ترامب المتكررة لسياسة ألمانيا الاقتصادية، ورفضها زيادة نفقاتها العسكرية داخل الحلف الأطلسي.
كما قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر إن واشنطن لم تعد تريد التعاون مع بقية العالم، ويرى ان اوروبا قد وصلت إلى مرحلة باتت تفرض عليها البحث عن بديل للولايات المتحدة، وفي الإطار نفسه قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه لم يعد في إمكانهم القبول بأن تقرر واشنطن عنهم ، فيما رفض وزير اقتصاده أن تكون واشنطن الشرطي الاقتصادي في العالم .
• مقاربة أوروبية موحدة .
وتلكم المواقف السياسية تخفي وراءها فعلا ، إرادة سياسية أوروبية جديدة ، هي وليدة القناعة الأوروبية بأن الحقبة الأمريكية على أوروبا قد انتهت ، توصلت الى هذه النتيجة بعد أن اكتشفت ان ترامب لا يستمع الا لنفسه وللفريق الذي من حوله ، وقد كونه على أساس الولاء المطلق له لتنفيذ توجهاته وفق أمزجته النفسية ، كما يمكننا أن نضيف هنا أيضا عاملا آخر ، وهو اعتبار ترامب حلف شمال الأطلسي بات متقادما، وأن على أوروبا زيادة إسهاماتها المالية للحلف إن أرادت ضمانة حمايتها .
والآن تجد أوروبا نفسها أنها لن تخسر الحماية الأمريكية فحسب ، بل ومصالحها الاقتصادية في عهد ترامب سواء من خلال فرض رسوم على الحديد والصلب أو فرض عقوبات اقتصادية على شركاتها التي تتعاون مع إيران، عندما تعززت تلكم القناعة الأوروبية ، ودفعت ببرلين الى التناغم مع فرنسا خاصة عندما صعد ترامب لهجته إزاء الألمان الذين يعتبر انهم مسؤولون عن العجز التجاري الأمريكي مع أوروبا.
ومعظم أوروبا الآن بدأت تنحاز للزعيم الأوروبي الجديد الذي جاء الى الرئاسة الفرنسية بأفكار أوروبية جديدة تجعلها قوة مستقلة في ذاتها وبعيدة عن أية تبعية لأمريكا ، ومن المقرر أن يكشف زعماء دول الاتحاد الأوروبي الـثمانية والعشرين مساء اليوم الأربعاء في صوفيا «مقاربة أوروبية موحدة».
بل إننا نرى فوز ماكرون في فرنسا ، علامة قدرية للصيرورة الزمنية ، فهذا الرجل جاء لحكم فرنسا بمشروع إصلاحي أوروبي أوروبي ، أوروبي عالمي ، حيث يرى أنه بإمكان أن تصبح أوروبا مركزا عالميا جديدا بسبب إمكاناتها الاقتصادية والاجتماعية والعلمية ، وان تدافع عن مصالحها الاقتصادية على قدم المساواة مع الولايات المتحدة الأمريكية والصين .
وخلال زيارة ماكرون للبرلمان الأوروبي طالب بتأسيس أوروبا القوية تفرض احترامها على أمريكا ، وما يلعبه ترامب الآن ، يهيئ كل الظروف والمعطيات لاستقلال أوروبا اقتصاديا وعسكريا ، وتحويلها الى قوة عالمية جديدة أو بديلة عن أمريكا .
والأروقة الأوروبية تدرس حاليا مقترح ماكرون بإنشاء قوة تدخل أوروبية تكون قادرة على القيام بعمليات عسكرية خارج إطار الحلف الأطلسي، وبعيدا عن هيمنة الأمريكيين.

وقالت وزيرة الدفاع الفرنسي فلورانس بارلي السبت الماضي إن نحو عشر دول بينها ألمانيا وبريطانيا مستعدة للمضي في إنشاء هذه القوة، ومن المقرر عقد اجتماع الشهر المقبل بهذا الصدد لتوقيع إعلان نوايا ، وهذا كبرى المؤشرات على الصيرورة الزمنية الجديدة ، التي ستودي بأوروبا الى قطيعة كاملة عن أمريكا أو إقامة قطب عالمي جديد ربما يحل محل أمريكا أو يفوقها في ظل الانكفاء الأمريكي على داخلها من خلال السياسة التي يعرفها ترامب ، وهي ” أمريكا أولا ” .
• الخليج الضعيف .. صيد سهل لترامب .
أمام تلكم الصيرورة الزمنية التي تتشكل الآن بسرعة زمنية فائقة ، ليس هناك من خيار لدول الخليج العربية سوى أن تصبح منظومة قوية تفرض احترامها على أمريكا والقوى الأخرى كأوروبا القوية القادمة، وروسيا والصين ، والا ، فهي معرضة لمخاطر كثيرة ، خاصة اذا ما تقاطع معها تفريغ صناديقها السيادية ، وتجدد الأزمة النفطية ، فلن يكون امامها سوى الاستجداء بالكيان الصهيوني لحمايتها ، وبقدر ما تكون هذه العبارة الاستنتاجية اقرب للسخرية ، الا أنها أقرب للمنطق الافتراضي في ظل العلاقات مع هذا الكيان .
أمريكا تقول إنها لن تحمي أحدا دون مقابل ، وترفع شعار ” ادفع مقابل الحماية ” وهو ما ترفضه أوروبا – جملة وتفصيلا – وقبلته دول خليجية رئيسية ، ورغم ذلك ، لم ولن تسلم من إهانات ترامب واحراجات الأنظمة مع شعوبها ، وابتزازاته المتكررة .
وهنا منطقة عقل خالصة ، ينبغي أن تفكر فيها دول المنطقة وبسرعة ، وهي رؤية مشهد ، كيف يفقد ترامب حلفاء بلاده الاستراتيجيين كأوروبا من أجل الأموال ، فهل سيتمسك بهم دون أموال ؟
وينبغي أن لا تقفز حالة التفكير الخليجية المقترحة ، على الأوضاع الاجتماعية داخل كل دولة منذ عام 2014 بسبب سياسات الضرائب والرسوم ، وبسبب المواقف السياسية من قضايا مصيرية لها ، كقضية القدس ومجازر غزة والزج بالنخب الدينية والفكرية داخل السجون ، فما هو السيناريو الخليجي لو رفع ترامب الحماية عنها ؟
لا ينبغي أن تصل الأمور الى ذلك السيناريو المخيف ، لذلك ينبغي المسارعة الى المصالحة الخليجية الخليجية أولا والخليجية الإيرانية ثانيا ، على غرار ما يحدث حاليا بين الكوريتين ، والتي من خلاله تنأى كوريا الجنوبية نفسها عن ابتزاز ترامب المالي والسياسي .
على أن يرافق ذلك ، الدخول مع أوروبا القوية – فرنسا المانيا بريطانيا – ومع الصين والهند – العالم الجديد – في تفاهمات إستراتيجية بعيدة المدى ، لضمانة استقرار للخليج من خلال منظومة مصالح اقتصادية متبادلة ومشتركة يتوقف عليها مستقبل وقوة اقتصادياتها ، عوضًا عن الاعتماد على أمريكا التي بدأ نجمها في عهد ترامب يخف تدريجيا ، وهو في طريقه ليدخل في غياهيب الماضي ، وهذه سنة كونية ، شهدنا فيها دول تنهض ودول تختفي ، وواشنطن تقاوم السقوط بأموالنا الخليجية ، لكنها ستسقط ستسقط ، وسيعجل سقوطها دماء الشهداء المستباحة في فلسطين المحتلة ، وهذا سيكون نهاية طغيان ظلم آية قوة في العالم .

وهى إن لم تسقط حتى الآن ، فقد سقطت عند كل الشعوب الخليجية دون استثناء ، وما تلك الأقلام الشاذة التي تطبل للأنظمة ، سوى انها واقعة تحت ضغوطات كبيرة ، لا تجعلها تعبر عن قناعاتها ، ففعلا لم تعد أمريكا مرحبا بها في الخليج ، وكل الشعوب الخليجية تطالب برحيلها عن المنطقة ، وترحب بالقوى الجديدة التي تغلب مصالحها الاقتصادية وتحترم الدول والشعوب التي تتعامل معها ، وتقف مع قضاياها أو على الأقل على قدم المساواة .

مقالات ذات صلة

اترك رداً