محمد الهادي الجزيري يكتب: شامة بيضاء لإيمان زيّاد

شامة بيضاء لإيمان زيّاد
الوطن عارٍ
ولا معطف لديه…
سأكون مِظلّته الوحيدة

محمد الهادي الجزيري

سبعون عام مرّت على النكبة ولم أكتب عنها شيئا إلاّ القليل القليل ..، واليوم جاءت بوجهها المبتسم الضاحك وصوتها المكتنز لكلّ أحزان العالم ..والظامئ لكلّ الأفراح المسلوبة ..، لم أكن أعلم أنّها امرأة من فلسطين ..ستأتي بعلم بلادها وبكومة تراب مقدّس وبكتابين كُتب عليهما اسمي كعربون صداقة عزيزة ..، هما ” شامة بيضاء ” و” ماذا لو ..أطعمتك قلبي؟” أهدتهما لي في خيمة علي بن غذاهم ..وكم سعدت بذلك وها إنّي أستهلّ مباركتي لها كشجرة من فلسطين بكتابها ” شامة بيضاء ” لعلّها تغفر لي عدم احتفائي بها نظرا لتوعّكي صحيّا أيام المهرجان …

قسّمت الشاعرة ديوانها إلى مائة وتسعة وعشرون فاصلا، وكتبت تحت الفهرس ما يلي

” ثمّة حزن بين الأرقام …وفرح ” ، إضافة إلى تخلّصها من ماهية النصّ ، فلا هو شعر ولا إبداع ولا أيّ شيء آخر سوى ” نثر ” كما هو مطبوع على الغلاف..، إذن نحن أمام امرأة تحترم نفسها ولا تلزمها بشيء..، نقرأ لها في الفاصل رقم واحد:

” شامة مشاغبة

تراقص ضلعي،

تجذّرت فيه

حتّى خجل الليل من سمرتها.

شامتي العذبة ، نهاري اللؤلؤي

وبهذا أبدأ …مطلعي”

وتنطلق في بوحها العفويّ في نسق مطرد إلى ما مضى من حياتها وذكرياتها ..، ثمّة شخص ما تخاطبه وهو حبيبها ورفيقها ..تقول له في هذا المقطع:

” راحتي نخلة

آتت رُطبها فوق صدرك،

فجنتْ قمرا

ينحني النخل لأجله…

راحتي شمعدانكَ المقدّس

فاعتنقني. “

ثمّة هاجس ثقيل يؤرقها ..من قديم وإلى الأبد ألا وهو هاجس الانتماء إلى وطن ما في هذه الأرض..، فنكتشف الغضب والحنق على من صيّروه سلعة تُشترى ..في حين أنّه أنبل شيء في الدنيا ..، تعبت إيمان من كلّ شيء ..تعبت من حلم صار بعيدا وأضحى قائمة مفتوحة للشهداء والجرحى والمعطوبين..، لها الحقّ أن تكتب عنه ما تشاء بعد ما خان الجميع وتبدّل الحلم بالكابوس ..، وإنّنا لا نبحث لها عن أعذار بقدر ما نعرف مدى حبّها لفلسطين:

” وطني،

يجرفه السيل فُتاتا

في واد مجهول،

ها نحن،

وأنتم هناك،

والمطر نشيد

لا ينتهي…

الوطن عارٍ

ولا معطف لديه…

سأكون مِظلّته الوحيدة،

أبحث عن يدٍ

تتعلّق بي..”

بدأت بهذا الكتاب لأنّه سابق في تاريخ الطباعة على أن أعود في مناسبة ثانية للكتاب الثاني ” ماذا لو ..أطعمتك قلبي؟ ” ..، يقول الشاعر والفنّان التشكيلي الأردني بعد إطلاعه على محتوى الكتاب ..يقول كلاما جميلا عن الشامة لم يكن يخطر لي على البال:

” الشّأمة ، الخال في الجسد، وهي ميزة وعلامة حسن، لكنّها في المقابل قد تكون عبئا على الجمال إذا ما استوطنت مكانا لا يفضي إلى راحة بصريّة، ومن هنا أقول إنّ إيمان استطاعت صنع مكيدة وقعنا جميعا في شراكها حين أفاضت بالأبيض على شامة عهدناها سوداء، فهذا الانزياح في اللغة أعطى مدلولا طيّبا، ومدخلا رشيقا للكتاب، فالسوداوية ليست رسالة الكاتبة هنا، بقدر ما أرادت القول إنّ كثرة الألوان الحزن من حولنا ، ستكون بيضاء إذا ما وضعناها داخل خلاط الفرح “

إيمان زيّاد طفلة كبيرة رغم أنّها أمّ ثلاثة أطفال ..، جاءت إلى تونس سفيرة لبلادها فلسطين محمّلة بأكياس التراب المقدّس وبعلم الوطن ..، طفلة قد تبكي وقد تتذمّر لكنّها تظلّ واقفة وصامدة حتّى تتحرّر القدس وتراب البلاد ..، وأجمل ما نختم به ما قالته في الفاصل رقم خمسة وعشرون:

” جوعى الحبّ،

يموتون مرارا،

ويقتات على جثثهم

الحنينُ..”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock