يسرى المسكرية تكتب: لا يعلم أن السر هو والده

لا يعلم أن السر هو والده!

يسرى بنت عامر المسكرية

قال والابتسامة تعلو محياه و الفخر يغمر صوته : عندما كان ابني الأكبر في مرحلة الثانوية العامة -الدبلوم العام- لم يكن يبالي بالمذاكرة للاختبارات النهائية للفصل ، فعندما كنت أسأل عنه في المنزل تصلني الإجابة أنه يلعب في ملعب الحارة أو مع أصدقائه، ان ذلك كان يزعجني كثيرا لكني لم أشأ أن أجبره على المذاكرة وأنهال عليه بسيل من الأوامر والتوبيخات وان كانت في مصلحته لكنها لن تجدي نفعا اذا لم تكن هناك رغبة حقيقية في المذاكرة، كان ابنا مطيعا ولو لم يكن مجيدا في دراسته، لذلك فكرت في طريقة أخرى لأشجعه على المذاكرة والاجتهاد في الدراسة ويكون مؤهلا بذلك للالتحاق بإحدى مؤسسات التعليم العالي، فجاءت الفكرة بعد وقت ليس بقصير من التفكير العميق بأن أذهب لمدير المدرسة وأخبره برغبتي في تكريم ابني أمام زملاءه في طابور الصباح لكونه طالب مطيع ويحاول جاهدا لتحسين مستواه الدراسي إلى جانب أنه يتمتع بأخلاق رفيعة، ورحب المدير بالفكرة جدا بل اقترح أن يكرمه بنفسه ليكون التقدير من المدرسة على أداءه، وبالفعل قمتُ بشراء هدية مُجزية و أعددتُ الشهادة وسلَمتها للمدرسة، وانتظرت اليوم الذي سيفاجئني به ابني بخبر التكريم، وبالفعل بعد يومين دخل ابني المنزل و أجنحة الفرح تحمله لي وهو يناديني بصوت ملأه الفخر والسرور ( أبوي كرموني في المدرسة )، ومنذ ذاك اليوم وابني تغيَر كثيرا فلم يخرج من باب غرفته تلك الفترة الا نادرا جدا، عكف على المذاكرة بجد واجتهاد وبالفعل نجح والتحق بالكلية بل وأصرَ أن يعتمد على نفسه ويعمل في الفترة المسائية، تخرَج وتوظَف في وظيفة ممتازة وحقق لنفسه إنجازات جميلة ولا يزال يحتفظ بالهدية والشهادة التي تسلَمها من المدرسة وحينما نسأله عن أجمل ذكرى في حياته يقول أنه اليوم الذي تم تكريمه في المدرسة فلا يمكنه نسيانه ولا يعلم أن والده هو السر خلف هذا النجاح وهو السبب لجعله أسعد يوم في حياته .

عندما يخصص الآباء جزءا من وقتهم للتفكير بعمق في حاجة أبنائهم، ويضعوا أنفسهم مقامهم حتى يستطيعوا فهم وادراك رغباتهم وحاجاتهم تتحقق النتيجة المرجوة بل قد تفوق التوقعات، فمحدَثي أدرك أن ما ينقص ابنه هو الدافع والتحفيز الذي يجعله يؤمن بمقدرته على النجاح لاسيما أنه متراجع في دراسته، ومن المعروف أن التحفيز يلعب دورا هاما في تطور الشخص ونجاحه، وتختلف أساليب التحفيز وتتنوع ولكنه يحمل ذات المعاني الدافعة للتقدم إلى الأمام، وفي وقتنا الحالي أصبح الأبناء بحاجة أكبر إلى التحفيز والتشجيع لكن الأهم من ذلك معرفة نوع التحفيز المناسب، فأحيانا تكفي كلمة واحدة فقط لتدفع بالأبناء إلى الأمام وأحيانا قد يحتاجوا إلى سيل من الكلمات الإيجابية، وقد يكون التشجيع المادي مهما كان شكله هو ما يحتاجه الأبناء أكثر، اختيار النوع المناسب للتحفيز يُعجَل من سرعة تأثير الأبناء به .

معظم أولياء الأمور يخاطبون أبناءهم بالكثير من الأسئلة حول يومهم الدراسي ، كسؤالهم عن مستواهم التحصيلي في مختلف المواد الدراسية وعلاماتهم في الامتحانات وانجازهم للواجبات، ولا يخلو عادة هذا الخطاب من الضغط عليهم للتفوّق والحصول على مستويات تحصيلية عالية، وهذا ما لا يحبّذه الأبناء، بل قد يشعرهم بالرغبة في الابتعاد عن آبائهم حين تُطرح المواضيع المدرسية على طاولة الحديث وينفرون من المذاكرة والدراسة لاسيما ان كانوا ذو تحصيل دراسي متدني . كل ما يحتاجه أولياء الأمور هو التواصل مع أبناءهم بعيدا عن الأمر والنهي واستبداله بالتحفيز الفعَال وغرس الثقة في نفوسهم ليولد لديهم التحفيز الذاتي الذي من خلاله يدرك الأبناء أهمية المذاكرة والحصول على علامات عالية دون الحاجة للتذكير المستمر أو ضغط الآباء الدائم كما فعل صاحبنا في القصة . و أحب أن أنوَه أن التحفيز لا يقتصر على محاور الدراسة فقط بل يتعدى ذلك ليصل إلى صقل الشخصية وتطوير المهارات وغرس الأخلاق الحميدة والنتيجة ستكون رائعة إن وظفنا التحفيز المناسب.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock