‏‏محمد الهادي الجزيري يكتب: شخص مّا يكتب تعليقا لنزار الحميدي

‏محمد الهادي الجزيري

‏هذا الكتاب الشعريّ يلخّص حياة شاعر تونسي متميّز، بدأ مسيرته الشعرية منذ كان طفلا في سباسب تونس في منطقة سبيبة ..ودرس بالجامعة في العاصمة، فلبّى نداء الشاب الذي يكمن فيه وعاث فيها صعلوكا شاعرا ..حرّا طليقا كما علّمه ذلك الشابي..، وأنا لا أقدّمه كما كان ..بل بما صار عليه ..فلقد أضحى مديرا في وزارة الثقافة وتزوّج ” أمامة ” زميلته في عشق الشعر …وأثمر حبّه طفلة بهيّة ..، واليوم يهديني كتابه الثاني ” شخص مّا يكتب تعليقا ” ..وأوّل ما شدّني فيه اعترافه بأصله وطفولته وغزوته لتونس قادما إليها من أعماقها الثريّة….

‏ ” ذات يوم سرحتُ إلى العاصمهْ
‏راكضا خلف فلسفة المتنبي…
‏وأخفيتُ شاتيْن في معطفي ومظلّة جدّي…
‏نقعتُ لسانيَ في عسل العاصمهْ “

‏الكتاب يضمّ 33 قصيدة مختلفة الطول ..متنوّعة الأغراض ..لكنّني ما زلت معجبا بالقصيدة التي أهدت اسمها للمجموعة ” شخص مّا يكتب تعليقا ” لأنّها أتت على كلّ شيء يؤرّق الشاعر ويمثّل له هاجسا ..( جمال الريف ووداعته / عنف الوجود في العاصمة القاتلة )
‏وقد قال ذلك في أكثر من موضع وفي أكثر من حالة ولكنّي ما زلت متشبثا بهذا المقطع الذي يقول لي كلّ شيء ..يلخّص كلّ ما كان من عناصر فاعلة أو سلبية انقضت مع الأيام والسنين ..ولم يبق شيء سوى الذكرى وربّما الحنين :
‏” مهلا أيّتها الرفقة مالك لم تحتملي أن أتذكّر:
‏في مقهى شعبي كان صديقي الشيخ العربي الزائر يسرد لي :
‏عن حطّابين وعن أحلام السبعينّات وأحلام السبعينات عن الحركات السريّة عن لحم يُولم للنار وعن هيثم حدّثني عن جابر عن فينودوري عن آغاثا كريستي عن أدهم صبري عن حرب باردة في منوبة بين شيوعيين وإسلاميين قبيل ولادتكم وتلاشوا كفقاقيع الصابون..”

‏هذه القصيدة فيها الكثير من الحبّ وتعلّق بالبيت والأسرة والوطن..، يبدأ الشاعر بالليل وهو مخيّم ليسرد علينا قصّة العشّ الذي ستبنيه عصفورة ..لكنّه يبقى متردّدا ماذا سيكون ردّ فعلها لو سقط ” البيت ” ..، كما أنّ عديد الكائنات ترنو إليه بطمع ، رغم أنّه نبّهها لجهلها بالشتاء وسلبياته ..، وأكاد أجزم بأنّ العصافير كناية للصوص غزوا البلاد ..ولم يتركوا فيها شيئا ..، الشاعر يبدو هنا قلقا متوجّسا من الغد ..وله الحقّ فقد بلغ السيل حدّ الفجيعة …

‏” خيّم الليل لكنّني لا أزال أفكّر في سقطة العشّ
‏عش وسيع وحرّ
‏وأجمل من غرفتي
‏تلك عصفورة سوف تبنيه،
‏لكنّني لا أزال أفكّر
‏ماذا ستفعل لو سقط البيت
‏أو…؟
‏غير أنّ العصافير بعض العصافير
‏تلك التّي تتربصّ بالعشّ
‏تلك الكبيرة لن تتراجع عن غزوه
‏…يا عصافير مهلا
‏كفاك مَغوليّة …
‏أنت لا تعرفين الشتاءْ “

‏من ص 48 يبدأ النثر ……..تجربة كنت أجهلها عنده..، أرى أنّه يقلّد مجموعة من الشعراء ” النثريين ” ولم يفلح في هذا التقليد الذي لا يضيف إلى تجربته ” الموزونة ” شيئا ، ومع ذلك طيلة قرابة الخمسين صفحة وجدت بعض الأفكار لو صبر عليها حتّى تثمر لقطفها وأهدانا كتابا مغايرا لهذا المتن..، فمثلا ثمّة قصيدة بعنوان ” أحلام الأطفال ” ظُلمت رغم أنّ الشاعر أعطاها أقصى ما يستطيع ..، يقول في هذه القصيدة:
‏” صعدنا التلّة وسطح البيت وأكتاف إخوتنا الكبار
‏ولم نصطد نجمة بيضاء واحدة…
‏لكنّها كانت تزورنا في الليل
‏وتحكي لنا القصص
‏نمدّ لها أصابعنا المرتعشة.
‏نحن نحبّ النوم لأنّنا سنقبض على النجوم البعيدة
‏بأصابعنا الصغيرة البيضاء.”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock