د.عبدالله باحجاج يكتب: التبرعات المليونية للأسر المتضررة من ميكونو، كيف نديرها ونضمن وصولها لهم؟

أثير- د/ عبدالله باحجاج

يضطرنا الموضوع الذي يثيره عنوان مقالنا اليوم ، أن نؤجل تكملة الجزء الثالث من مقالنا المعنون باسم  ” ماذا بعد مكانو ؟ تأصيل دروسه وانكشافاته ” فقد فتحت التبرعات الضخمة للشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال بخمسة ملايين ريال ، وبنك ظفار بمليون ريال ، الآفاق المستقبلية للدور الاجتماعي للقطاع الخاص مستقبلا ، وكيف يمكن ان تكسب الشركات والمؤسسات المالية بيئتها الاجتماعية؟ لكن كيف سيتم الاشراف على هذه التبرعات ؟ وكيف ينبغي توزيعها ؟

مثل هذه المبادرات ، ستكسب – دون شك – الرضا الاجتماعي لهذه الشركات ، وستعزز مواطنتها ، وستجعل من المجتمع قاعدتها التحتية للدفاع عنها ، والحرص على ديمومة مصالحها ، وكذلك نجاحها ، لأنها – هذه الشركات – تتفاعل مع المواطنين في جوانب إنسانية بالغة الدقة ، فمن يقف معي في محنتي ، سيكون لازما أن يكسبني بمعروفه وجميله ، رغم ان هذه التبرعات تعد من جوهر المسؤوليات الاجتماعية على الشركات .
وهناك تبرعات أخرى من بعض الشركات والمؤسسات المالية مشكورة ، لكنها لا ترتقي الى حاجز المليون رغم قدرتها المالية على رفعه الى هذا السقف ، كما ان هناك شركات كبرى لا تزال تلتزم الصمت ، فمتى ستخرج منه ؟ هل لم يصلها حجم الأضرار الحقيقية لاعصار مكونو ؟

• هل العلة في التقديرات المسبقة ؟
من المآخذ الكبيرة التي يمكن ان تسجل في تاريخية إدارتنا لاعصار مكونو ، أننا صدرنا احكاما تقديرية مسبقة غير دقيقة عن حجم الاضرار المادية اثناء معمعة الاعصار أو بعيد خروج مركزه من الساحل الى الصحراء ، ربما يكون التقدير الذي نجده في تصريحات بعض المسؤولين ، مبنيا على نطاق ترابي محدود لا يتجاوز رؤية العين المجردة من موقع سكنى صاحبها في صلالة .
وتناست أن هناك ولايات ساحلية ، ستشهد أكثر من غيرها عنف الاعصار ، وتناست كذلك ، أن منازلها غير مؤهلة لمواجهة آية أنواء مناخية في وزن العاصفة ، فكيف بالإعصار ؟ وغاب عنها كذلك ، أحوال المواطنين المالية الضعيفة ، وطريقة معيشتهم البسيطة في المناطق الساحلية والقريبة منها .
ومن ثم كان ينبغي التوقع حجم خسائر مفترضة ، أو ترك الحديث عن قضية الخسائر حتى تنجلي الغمة ، وتتضح الأمور ، ربما في هذه الجزئية المهمة جدا ، لم ندير الأزمة المناخية كما يجب – وهذا لن يقلل من النجاح المنقطع النظير للمنظومة الوطنية لادارة الحالات الطارئة – فكبار المسؤولين المحليين  لم يضبطوا تصريحاتهم الموجهة للرأي العام ، ونعلم ، وهم يعلمون وربما تناسوا ، أن نجاح مثل هذه الأزمات ، يتوقف في الأساس على المواقف ، ومدى مراعاة أحوال المتضررين سواء كانوا في أملاكهم الخاصة أو تدمير المرافق العمومية أو حتى نفسياتهم ، فقد دخلوا في حالة رعب غير مسبوقة  اثناء اقتراب الاعصار من السواحل .

• مساهمات شركة الغاز وبنك ظفار
تعطينا الملايين التي أسهمت بها الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال ، وبنك ظفار ، ومعهما كذلك شركة ريسوت التي تبرعت بـ (500) الف ريال نقدا وكميات اسمنت قيمتها (150) الفا ،  تقديرا حقيقيا من هذه الجهات  لحجم الاضرار التي لحقت بالمواطنين ، ربما يكون لها السبق أكثر من المؤسسات المتخصصة أو الحكومية المعنية في مسألة تقدير الإضرار .
فمن المؤكد ان تقدير المبلغ (5) ملايين من الشركة و(مليون) من البنك ، وتلكم المبالع من شركة ريسوت ، قد جاء وفق حسابات دقيقة ، ما كان من مجلس إدارتها الا أن قررا اعتمادها دون تردد ، فالقرار مبني على معلومات بالغة الدقة ، وبسببها  ، اتخذت قرارات التبرعات .
ومن خلال متابعتنا لبعض مبررات هذه التبرعات السخية ، نلاحظ ان هناك تقديرا رفيعا للجانب الإنساني للاسر المتضررة ، فهي قد حصرت تبرعاتها على التضامن مع الأسر المتضررة من إعصار مكونو ، وهذا قمة تجليات حسها الوطني بحجم الاضرار الاجتماعية ، وبضرورة انتشال هذه الأسر من أوضاعها السكنية التي تسبب لها معاناة أثناء الأعاصير والعواصف ، والتي جعلتها مع مكونو تهاجر منازلها– سيأتي الحديث عن هذا لاحقا – .
الذي يهمنا هنا ، التركيز على العزوف الكبير من الشركات مقابل هذه المبادرات المشكورة ، ربما بسبب عدم توفر المعلومة الدقيقة  والفاحصة ، فهل سنشهد قريبا ، حملة تبرعات وطنية ؟
مثل تلكم المبادرات الكبيرة ترمي الكرة في ملاعب كل الشركات والبنوك الأخرى التي لا تزال تتفرج على مسيرة المساعدات المتضررين من إعصار مكانو ، فهي لن تظل تتفرج بكسب الرضا الاجتماعي من شركات دون أخرى ، لدواعي تنافسيتها في السوق المحلية ، ولدواعي الحفاظ على ربحيتها ، فتلكم الملايين قد سوقت الشركات والبنوك المتبرعة ، ووصلت رسالتها تضامنها مع المجتمع الى كل قلب ، فماذا بعد كسب القلوب ؟
*أين أثرياؤنا ؟
التساؤل يبحث عن نفسه بشكل ايجابي، وربما علينا أن لا نستعجل في استجلائها  ، أو البحث عنها ، فالكرة لا تزال في الملاعب ، وننتظر تسجيل أكبر اهداف لصالح المتضررين ، فليكيفوها بما يشاوؤن من تكييفيات شرعية ، سواء كجزء من مواطنة الأثرياء أو تفعيلا لمسؤوليتهم الاجتماعية ، أو صدقة أو زكاة .. الخ .
الأهم هنا ، الا يقفوا منعزلين أو معزولين عن معاناة المتضررين من الاعصار ، فمن المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتقهم مساعدة المتضررين من بني وطنهم ومن بني دينهم .
لا يمكن أن يكون وضعهم كوضع البسطاء الذين لا يملكون الى الدعاء للمتضررين ، ولا كوضع كمن يتفرج على معاناة خارج الحدود ، ولا كوضعنا في  الكتابة والتحليل وإبراز المعاناة ، والتنظير لأوضاعهم مستقبلا لكي تأخذ عملية اصلاح أوضاعهم بعين الاعتبار عناصر التكيف والتناغم والديمومة مع أية انواء مناخية مقبلة .
• كيف ينبغي أن تشق الملايين طريقها للمتضررين؟.

تتناغم المساعدات التي تقدم للمتضررين من الاعصار مع مقالنا الورقي الأخير المعنون باسم “معاناة الولايات الساحلية .. أما آن لها أن تنتهي ” فقد قدمنا مقترحا لاقامة صندوق  تحت مسمى ” منحة لأهل ظفار ” تخصص لاعادة تأهيل منازل المتضررين من أصحاب الدخول الضعيفة والمحدودة جدا خاصة تلكم الواقعة بالقرب من السواحل ، لكي تستوعب اية تحديات مقبلة .
فالآن تتيح لمثل هذه الفئات الاجتماعية فرصة مواتية لإعادة تأهيل منازلها التي بنيت بمعزل عن الاعتداد بالحالات الاستثنائية ، وهذا ينبغي أولا تعيين مستشار فني يحدد المواصفات والمواصيف القياسية ، والشروط الأساسية لمقاومة المنازل مثل تداعيات الأعاصير والعواصف ، ثم  تتم عملية إعادة التأهيل وفق رؤية وخطة جاهزة بعد ان يكون قد تم حصر المنازل من قبل لجنة فنية متخصصة .
واذا لم يتم مساعدة هؤلاء المواطنين من خلال هذه التبرعات ، فإن إمكانياتهم البسيطة لن تسمح لهم  حتى بإعادتها الى سابق عهدها ، وستتجدد معاناتهم عند كل حالة استثنائية ، لذلك نعتبر ان الفرصة الان متاحة لتحسين أوضاع منازل المواطنين خاصة تلك التي على السواحل أو القريبة منها ، والتي تعاني من مشاكل فنية في السطح أو النوافذ أو المداخل .. او في ارتفاعاتها عن سطح البحر أو تلك التي تقع داخل منافذ السيول .. كما اوضحنا ذلك في  مقالنا السابق.
ليس الأهم إعادة المنازل الى سابق عهدها ، بل الأهم العمل على تأهيلها لمواجهة عنف الأعاصير والعواصف ، وهذا هو جوهر الفكر الجديد الذي ينبغي ان يحكم فلسفة اصلاح الضرر لمنازل الأسر ، والتبرعات المليونية والمقبلة المتوقعة ، تتيح لنا تحسين مستويات سكنى الاسر المتضررة  ، فهل نفكر في هذه المسارات الجديدة أم نغرق في فكرنا القديم ؟ نتمنى الا نشاهد معانات هذه الاسر تتكرر في اية حالة استثنائية مقبلة ، فلو تكررت ، فهذا سيكون معناه ، اننا لم ندير التبرعات المليونية كما يجب ان تخدم الاسر المستحقة في مستقبلها وليس في حاضرها ؟؟

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هؤلاء محل تقدير واحترام من الجميع ولهن جزيل الشكر والاحترام وهم اهل للقول عنهم المواطنون الصالحون الاوفياء للوطن والاهل فالرسول الكريم يقول خيركم اخيركم لأهله وانا خيركم لاهلي والخير والاحسان للوطن والاهل منزلة عظيمة شرّف سيد البشر بها نفسه واعتز بها ،،،هناك الكثيرون من ابناء عُمان لديهم ثروات طائلة وكبيره بعضها يصل لمليارات الريالات فاينهم واين خيرهم لاهلهم ولهذا الوطن عُمان الخير

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock