الدكتور راشد عيسى يكتب: نافذة على ..مساء..لعبدلله العريمي

نافذة على ..مساء..لعبدلله العريمي

الدكتور راشد عيسى

المقطع الأول من القصيدة…
مساءً تكونين أكثر عشبا
وأكثر خصبا
ويصبح للماء ألف احتمالْ
لنمشي إلى الحب خمس دقائق أخرى
فإني مددتُ ظلاليَ عشرين عاما
لأكتب برقك فوق البحار ..وفوق الرمال .

هذا هو المقطع الأول من القصيدة الأولى من ديوان الشاعر العربي العماني عبدالله العريمي ..قلتُ لي سأجتهد أن أقدم في المقطع السابق قراءة تذوقية صغيرة سانحة ..

أول ما لفت انتباهي موسيقى القصيدة..فهي مبنية بتنغيم تفعيلة فعولن التي منحت الدفقة انسيابا لطيفا ناعما…ثم انتبهت إلى دلالتين ملتمعتين وهما الزمن والماء…

فأما الزمن فتمثل في مساء..وخمس دقائق وعشرين عاما…وأما الماء فتمثل في مرجعياته الماء..عشبا..خصبا…برق..بحار ..
هنا أرى الزمن يختص بالحلم الذاتي عند الشاعر الذي يريد من حبيبته لقاء لو خمس دقائق تعوض انتظاره لها مدة عشرين عاما التي تساوي بالضبط 768000 ألف دقيقة…

ولا شك أن خمس الدقائق هي زمن خاص لدى الشاعر قد يعادل عنده العمر كله..زمن يوازي فلسفة اللذة الزمنية الحاضرة والمقدور عليها..إنه الزمن الأبيقوري في بُعده الوجودي العميق .وهو زمن العشاق تحديدا حين يغافلهم فيمر سريعا..أو حين يكابدون انتظاره المر…

خمس دقائق ستستدرج المحبوبة بلا شك إلى ساعتين في الأقل..إنها كمائن المحبين ينصبونها ببراءة بالغة المكر كالتساهي تماما…وأما دلالة الماء ومرجعياته في المقطع فهي احالات رمزية شفافة على أن الحبيبة تملك خواص أعظم كائنات الطبيعة وهو الماء الذي جعل منه الله كل شيء حي..

إذ لا يعادل عبقرية الأنوثة في الحبيبة إلا مزايا الماء…فالحبيبة تكون في المساء أكثر عشبا وخصبا ..إذ المساء طمأنينة عن عيون الرقباء …وتكون الحبيبة في كامل أناقتها ومهرجان زينتها…الأمر الذي يراها كأنها ديانا آلاهة المطر أو أنانا آلاهة الخصب..
امراة مائية باذخة وعاشق متوهج بجمر اللوعة مع زمن أمين مطمئن…

هذا المقطع يجسد معنى أن الشعر نوع من أحلام اليقظة…فالقصيدة نداء جواني ساخن لدعوة الحبيبة إلى لقاء خمس دقائق فقط…إنها أحاييل التخييل الفني باللغة الطرية الذكية ..ولا يعيش الحب إلا بهذه الأكاذيب الجمالية التي تصدقها المحبوبة فتلبي الدعوة وهي تظن أن سيماءات الماء فيها ستغرقه بجنون العشق..وهي لا تريد غير ذلك…خاصة أن للماء فيها ألف احتمال…وهي الجملة الأشد اشعاعا دلاليا في المقطع..فيسحرها التوهم والزهو الأنثوي …

هكذا قرأت المقطع لطلبتي في الجامعة في مادة التذوق الأدبي…وكم كان سروري رحيبا عندما أضاف عدد من الطلبة تجليات ذوقية أخرى مثل رمزية الرمال فالشاعر متعطش كالرمل ..حتى البحار الممتلئة بالماء عطشى..إذن ثمة ظمأ سري عظيم ..الخ…

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock