د.عبدالله باحجاج يكتب: تساؤل للرأي العام: أين ملايين الأسر المتضررة من إعصار مكونو ؟

أثير- د.عبدالله باحجاج

عبدالله باحجاج

الغموض الذي يلف مصير الملايين التي قدمتها بعض الشركات والبنوك تضامنا مع الأسر المتضررة من تداعيات إعصار مكونو ، هو نفسه ، الذي يجعل الكثير من الشركات المحلية بين عازفة ورافضة ومترددة في تقديم المساعدات المالية  ، وهذا لا يمس النوايا ” أبدا ” ولن يشكك في الجهود ” أبدا ” لكن ، حديثنا هنا عن الشفافية ، فمن يفكر في المساعدة الأخلاقية ، تشكل له الشفافية مصدر قرار من عدمه .

وقد قالها لنا الكثير من الرؤساء التنفيذيين لبعض الشركات ، وذلك عندما كنا نطالبهم بمسؤوليتهم  الأخلاقية  تجاه مجتمعهم في محنته ، وحاججناهم بمآلات مستقبل سلبيتهم ، فردوا علينا  حرفيا ” مساعداتنا نعطيها من ” ؟

وكل من يتابع هذه الأيام وسائل التواصل الاجتماعي ، سيجد قضية المساعدات المليونية للأسر المتضررة تحتل صدارة بعض هذه الوسائل ، ومن المتوقع ان تتصاعد وتتصعد في ظل غياب الشفافية ، وعدم وضوح الآليات الاستحقاقية .

فمن البديهيات في ظل سيادة حالة الغموض ، أن تطرح التساؤلات التالية : من استلم الملايين من الشركات ؟ وهل كل من أعلن عن تبرعات مالية قد التزم بإعلانه ؟ لابد ان تكون هناك جهة جبائية لهذه الملايين واضحة ومعلنة ، وأخرى رقابية تتولى هذا الملف ، فمن يصرح عبر وسائل الإعلام بتبرعات مالية او عينية .. فتصريحاته ملزمة له ، وعليه ان يحمل على الالتزام بها طواعية او قانونا .

  • الجدية متوفرة .. لكن غياب الشفافية .

ليس لدينا أدنى شك في جدية هذه الشركات ، وانما نتفاعل هنا مع ردود فعل الرأي العام ، وقد اتصلنا هاتفيا بالرئيس التنفيذي لبنك ظفار الذي كان -هذا البنك- أول المعلنين عن المليون ريال ، وأكد لنا التزام البنك بمسؤوليته الأخلاقية تجاه المجتمع ، ويعتبر المليون المقدم من البنك أقل الواجب الذي يمكن ان يقدمه البنك دون تردد من مجلس إدارته ، موضحا انه تم تسليم المليون للهيئة العمانية للاعمال الخيرية ، فهل فعلت الشي نفسه بقية الشركات المعلنة ؟

 إذن ، قضيتنا الأساسية هنا ، تكمن في الشفافية ، وفي كيفية الرؤية المعتمدة في تصريف هذه الملايين ؟ وهل ستذهب الى الغرض المعلن من أجله ؟ ومتى ؟ وكيف ؟ تلكم تساؤلات الرأي العام المحلي ، ننقلها هنا بصوت مرتفع ، لمشروعيتها من جهة وللتذكير مجددا بالبواعث التي تقف وراء تبرعات الشركات والبنوك المليونية ، ورغم انضمام البعض إليها ، الا انه  لا يرتقي حتى الآن الى مستوى المأمول  .

وكل من يحلل سياقات المبررات التي تقف وراء المساعدات – مكرر من مقالنا السابق – سيجد وراءها التضامن مع الأسر المتضررة من إعصار مكونو ، فهل ستذهب الملايين كلها إليها أم ستدخل فيها اعتبارات  ؟

التساؤل الأخير نطرحه من منظور التداخل بين ما تقوم به حاليا وزارة التنمية الاجتماعية من حصر الأسر المتضررة من أجل مساعداتهم من أموال الدولة ، وبين مساعدات الشركات والبنوك التي لا تزال حتى الان غامضة .

فهناك سقف مالي أعلى للمساعدة الحكومية لكل أسرة ، وهي ( ثلاثة ) آلاف ريال ، وهناك توجيهات عليا بهذه المساعدات المالية ، وحث أعلى على سرعة عودة كل الأسر الى منازلها .

وهذا جهد حكومي مقدر ، لكن لن يحل القضية الأساسية ، فتجديد  أثاث المنزل أو إعادة سقف المنزل غير الثابت إلى سابق عهده ، أو أية إصلاحات جزئية فيه .. لإعادة تأهيله كما سابقا قبل الاعصار ، هو حل مؤقت ، فقد تأتي حالة استثنائية جديدة – وهذا وارد في اية حالة لحظة – وترجعنا الى المربع نفسه ، مما ستجد الحكومة نفسها ملزمة بمساعدات مالية أخرى .

  • الملايين للمتضررين من مكونو فقط ؟

هذا ما ينبغي تأكيده في خضم خطوة وزارة التنمية الاجتماعية ، فلو تم الاكتفاء بها ، فإن ملايين المساعدات لن تجد طريقها للغرض المخصص لها على اعتبار أن الحكومة قد قامت بالواجب ، أي أرجعت شكليا الوضع الى ما كان عليه سابقا.

وبالتالي ، أين ستذهب الملايين ؟ ربما في اعمال الهيئة العمانية للاعمال الخيرية ، ولو سلمنا بهذا التصور ، فإن الغرض الأساسي من هذه المساعدات لم تذهب الى مستحقيها المتضررين ، والضرر قد بني عليه مشروعية المساعدات ، فما مدى قانونية مثل هذه التصرفات ؟

ولو اكتفينا بالمساعدات الحكومية ، وسقفها المالي المحدود جدا ، فإن المساكن الواقعة بالقرب من السواحل ستظل رهينة بمشهد يتكرر دوريا ؟ وهو كالتالي : العواصف والاعاصير تدمر ، والحكومة على الفور تصلح الضرر ، علينا التفكير الان بصورة مختلفة تماما وفق ما ننادي به منذ مقالنا السابق المعنون باسم ” التبرعات المليونية للاسر المتضررة من مكانو كيف نديرها ونضمن وصولها؟  ” وهو حل القضية من جذورها .

  • الحل النهائي :

الحل قد طرحناه في المقال سالف الذكر  ـ ونكرره لدواعي التفاعلية مع الرأي العام ، ولتوجيه الاهتمام بما ينبغي القيام به ، وهو يكمن في إعادة النظر في بنية المنازل على السواحل والقريبة منها ، بحيث يتم تأهيلها من جديد لمواجهة اية حالة استثنائية مقبلة ، فالمنازل هناك قد بنيت دون مواصفات وقياسات مقاومة للعواصف والاعاصير البحرية رغم انها تقع في مناطق ساحلية، كما أن هناك الكثير من المنازل بسقف غير ثابت .

من هنا ، فتداعيات الاعصار مكونو يتيح للأسر المتضررة الفرصة  لحل مشاكلهم السكنية بحلول دائمة وليست مؤقتة ، وتفتح المساعدات المليونية من القطاع الخاص الآفاق للحكومة بالاتجاه نحو تحسين مقاومة المنازل من العواصف والاعاصير .

فالملايين المعلنة حتى الان ، وتلكم المتوقعة من الشركات والاثرياء ، تتيح الامكانية الفعلية لهذه الاسر على تحسين مستوى سكنها من جهة وجعلها -أي مساكنها- مهيأة لاستيعاب التحديات المناخية .

وهذه الأسر اغلبها – كما أوضحنا ذلك سابقا – من فئات الدخل الضعيف ، وتعتمد على الرعي وصيد الأسماك ، والأخذ بهذا المسار ، سيعد منحة من الحكومة والقطاع الخاص للأسر القاطنة على السواحل او القريبة منها ، وهذا سيكون مشروعا وطنيا بامتياز ، سنكسب به هذه الساكنة الاجتماعية في توقيت مناسب جدا .

 خاصة وانها تتموقع داخل جغرافيا وطنية لها امتدادات إقليمية ذات حساسية بالغة التعقيد من جهة ، وأخرى تجاور رأسماليات ضخمة ، عمانية وإقليمية وعالمية ، وقد أصبحت تتقاطع في المنطقة القريبة منها مصلحة الاقتصاد العالمي الجديد من جهة ثانية .

والانفتاح الان على هذه الساكنات الحدودية مثلا من خلال ما نقترحه ، سيخاطب سيكولوجياتها التي تشعر بالتهميش في الخدمات الداخلية ، وفي بعض المرافق العمومية الأساسية ، وبالتالي ، فملايين المساعدات هي حقوق خاصة وخالصة للأسر المتضررة من مكونو حصريا ، وقد جاءت في توقيتها المناسب ، لإدارة الكثير من الملفات في تلك المناطق الحساسة جدا .

  • تشكيل لجنة رباعية

لذلك نقترح تشكيل لجنة رباعية تحظى بثقة كل الشركاء ، وهم الحكومة ممثلة في وزارة التنمية الاجتماعية والهيئة العامة للأعمال الخيرية ، والقطاع الخاص ، ممثلا في غرفة تجارة صناعة عمان ( فرع ظفار) والمجتمع ، ممثلين من المجلس البلدي ، يناط بها مسؤولية الإشراف على الأموال ، وصرفها على الحالات المستحقة ، وتكون تحت اختصاص الجهاز الرقابي للدولة .

وهذه التشكيلة يحتمها كذلك المسار الديموقراطي في بلادنا ، فالاستفراد لم يعد ينتج الرضا الاجتماعي ، ولن يصنع الثقة ، وفي مثل هذه القضايا الاجتماعية الخالصة ذات الابعاد الإنسانية ، علينا أن ناخذ بعين الاعتبار الرأي العام ، وقوته ،  وما قد يحدثه من مزايدات أو تشويشات على الملايين التي خصصتها الشركات والبنوك للأسر المتضررة من إعصار مكانو حصريا ، فهل ستذهب إليها أم سيكتفي بمساعدات التنمية الاجتماعية فقط ؟  ثم تظل المشكلة قائمة .

واذا ما رجح الخيار الأخير ، فأين ستذهب المساعدات المليونية ؟ خاصة بعد ما كشفنا أنها في أيدي رسمية وأمينة ، لكن يظل التساؤل قائما ، هل كل الشركات التي أعلنت عن تبرعات قد أوفت بوعدها ؟ وهل النية تتجه فعلا الى انتشال مساكن الاسر المتضررة من خطر العواصف والاعصار ؟ قد يكون لنا مقال حول ما تطرحه التساؤلات الأخيرة من إشكاليات وخلفيات عبر زيارات ميدانية ولقاء مع مسؤولين .

ملحوظة :

نعتذر للمرة الثانية عن تكلمة الجزء الثالث من مقالنا المعنون ” ماذا بعد مكونو ؟ تأصيل دروسه وانكشافاته ” وذلك حرصا منا على ان نكون متناغمين ومتفاعلين مع الرأي العام في اهتماماته الآنية .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock