محمد الهادي الجزيري يكتب: آخر الكلام : الاحتفاء بالعبث

محمد الهادي الجزيري

يبدو أنّ هذه الفوضى الخلاّقة والمباركة إن شئتم، ستطول وقد تذهب بما بقي من أوطان وعقول، لذا أتطوّع بصفتي عاطلا عن الحياة منذ فترة ليست بالقصيرة، لتقديم بعض الوصفات الواقية من الرغبة في االتلاشي مثلا أو الاستسلام للجنون على سبيل المثال، وذلك مساهمة منّي في إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، هذا إن لم يكن الأوان قد فات، فجلّ معارفي وجيراني وأصدقائي الافتراضيين كذلك في ملكوت الفيسبوك، بدت عليهم علامات الزوال ، مثل رفض الكلام وعدم ردّ السلام، لكأنّ العالم يدخل أفواجا أفواجا في الذهول، وذاك حديث يطول…

أيها الناس لن أقول لكم : الفوضى أمامكم والأزلام وراءكم، إذ لا أمام لكم اليوم ولا وراء، إنّكم في قلب الرحى ولا أخفي عنكم أنّ العمّة أمريكا تدير الرحى بهمّة وعزم، ولسان حالها يقول لكم : كلّكم ثائر وكلّكم مسؤول عن ثورته، فلا تدّخروا جهدا في التطاحن حتّى تفنوا جميعا وأعجن هذه الخارطة العربية كما يشاء هواي وحبيبي : رأس المال المتوحّش.

هذه هي الحال ولكن لا يأس مع العبث، نعم العبث، وأؤكّد مرّة ثالثة، أدعوكم للتحصّن بالعبث ، فما حدث إلى حدّ الآن من مجازر وأهوال، ” يعدّ جناح بعوضة في حافر زرافة ” مقارنة بالآتي، كما ورد في كتابي التحذيري العظيم الذي سميّته ” جنّة الذئب ” ولم يقرأه إلاّ بعض البلهاء المؤمنين بالكتابة مثلي، ويبدو أنّ الذئب سيظلّ يعوي وحيدا في جنّته حتّى تنفجر حنجرته ويسيل الدم من فمه المقدّس

قد لا يكون حديثي لكم مرتّبا مثل درس مملّ أو وعظ كلاسيكي، وهذا من أفضال العبث الذي اهتديت إليه وربّما سقطت فيه ، ولا فرق عندي بين الحالتين ما دامت النتيجة واحدة وهي الخلاص، نعم الخلاص الذي أدعوكم إليه ، ليس رأفة بكم ولا حبّا فيكم ، بل لأنّي ببساطة أمارس العبث، فأنا أدرك تماما أنّ هذا النصّ لن يغيّر حال قوم لم يغيّروا ما بأنفسهم، ولكن لا بأس من المحاولة، بدل الجلوس أمام التلفاز لإحصاء القتلى وتأثيث الذاكرة بخرائب المدن العربية المتوضّئة بالدم.

لا بأس إذن من المحاولة، وهذه بعض النصائح المجانية لمن شاء منكم أن ينجو بعقله أو ما تبقّى منه:
ــ النوم أطول مدّة ممكنة، فقد ينقذك الموت وأنت تحلم بامرأة العمر، (مع المعذرة للنساء ) فكلّ شيء محرّم عليهنّ حسب آخر الفتاوى ، باستثناء الطبخ والإنجاب والموت طبعا
.
ــ الابتسام لكلّ من يزعق في وجهك، بدءا برؤساء الأحزاب ومرورا بالزوجة والأطفال وانتهاء ربّما بجارك الذي تاب مؤخّرا واكتشف أنّه مسلم وأنّك زنديق

ــ تصفّح جريدة واحدة طوال حياتك الباقية، والأحسن أن تكون صحيفة قديمة ولا عليك فلن يفوتك شيء: فأخبار القتل متوفّرة ، وصفحات السياسة كثيرة ومكتظّة بالسباب وتقاذف التهم، كما أنّ صفقات بيع الرقيق الأبيض المختصّ في الكرة موجودة كذلك، فما كان سوف يكون ، لماذا إذن لا تكتفي بما كان .. من عبث؟
.
ــ المواظبة على التهام كلّ السوائل الممكنة والاغتسال بها، لعلّها تنظّف الكائن من الداخل المتعفّن يوما بعد يوم، وإن كانت المأموريّة شبه مستحيلة، فالوحل أتى على كلّ شيء في الإنسان
ــ ليكن شعار المرحلة: ” مات العبث… عاش العبث ” ، ولا جدوى من ترديده خارج إطار الذات ، فلا جدوى من ذكره للقطيع

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock