محمد الهادي الجزيري يكتب: رُفاتُ جِلجامش

رُفاتُ جِلجامش
الرجل الذي سينبت شجرة جديدة
جائزة المغرب للكتاب

 

 

محمد الهادي الجزيري

أعلنت مؤخّرا وزارة الثقافة المغربية عن فوز صلاح بوسريف بجائزة المغرب للكتاب، عن مجموعته التي عنوانها : رفات جلجامش ( كش ـ بل ـ كا ـ مش ) الرجل الذي سينبت شجرة جديدة ،وبهذه المناسبة السعيدة نبارك للشاعر تتويجه ونأمل له المزيد من النجاحات…

هذا العمل الشعريّ اجتهد فيه الشاعر بعد دراسة عميقة للتراث الآشوري والبابلي..، وقد تماهى مع قصة الوجود من موت وبعث وخلود ولهاث عليه ..، كما اجترح الأسطورة بشكل جديد مغاير..، وقد قال هذا أكثر من ناقد قرأ هذه الملحمة الشعرية ..، فصلاح حاول أن يكتب أسطورته الشخصية ..وقد وُفّق بامتياز….

بداية يفتتح صلاح بوسريف ملحمته بتعرية المسكوت عنه ومواجهة المعضلة بأسمائها..فيسمي الشيء باسمه ..ولا يهرب ولا يتمنّع..، فالأمر جلل ولا سبيل للمراوغة أو

التلاعب بالأفعال والصفات والمجازات..، يعطي كلّ جهة اسمها وفعلها ليحاسبها خلال الملحمة على ما اقترفت من أهوال وفظائع طيلة جلوسها على كرسي السيادة ..يقول في حيث لا وجود لبشر:

” هل ثمّة ما يفضي إلى حشر الأرض في نزق السماء؟

ثقل عبء الآلهة فانفطر الشرّ

لتنازل آلهة آلهة

حيث لوجود بعد، لبشر يحمل عن صغار الآلهة

شقاءهم :

الغيب

وشؤون الماء

مقاليد البحر

والسحاب المنتشر في أعالي الريح

هي نهب للآلهة الكبار “

تناول العديد من الصحفيين والنقاد خبر التتويج بإمعان ..وحبّروا في الجائزة أوراقا كثيرة ومن ضمن من تصدّى بالتمحيص والتحليل محمد بوجبيري وممّا قال في مقاله:

” رصد الشاعر مراحل الخلق الثلاث : خلق الكون، وخلق الآلهة، وخلق الإنسان، هذا الأخير بعد خلقه طغى وتجبّر، بل وصل ضجيجه وفوضاه عنان السماء، وقضّ مجمع الآلهة، فسلّطت عليه الجفاف والأمراض والأوبئة كالطاعون، ثمّ كحلّ أخير ونهائي الطوفان، الذي أتى على كلّ شيء، والغاية من ذلك العقاب الرهيب هو تحرير الأرض من البشر عاثوا فيها فسادا عن ذلك قال الشاعر:

” أعليّ أن أحدث طوفانا ؟

صرخ أنْليلُ

بما يشي بأوج قلق سكن نفوس الآلهة،

وأيقظ حنينها إلى فراغ الهواء من الخلق،

: ـ لنترك ” نينورتا ” يقلع السدود،

حتّى يفيض ماؤها،

ويغسل كلّ ما حفّ بالهواء من غبار..”

وفي خاتمة الملحمة يعترف ضمنيا بأنّ جلجامش وهو أيضا والإنسان أينما كان وتواجد عبارة عن وهم وهباء ..لا أحد يحمل اسمه أو حزنه الشخصيّ ..، نشفّ ذلك من المقطع الذي يخاطب فيه جلجامش ويبوح له بالحقيقة العارية..يقول حرفيا : ” أم أنّك لست سوى جرعةَ ريح شربها الغبار؟..”…

” ما الذي تبقّى منك يا ” جلجامش “؟

ها أنت فان

من سيحمل عنك اسمك،

ويخبر بما كنتَ

وبما رأيتَ؟

أثمّة في دمك ما سيحيي عظامك وهي رميم،

أم أنّك لست سوى جرعةَ ريح شربها الغبار؟..”

اعتبر الشاعر العراقي صلاح نيازي ” رفات جلجامش ” عملا عميقا وشعرا مثقفا لم يقرأ مثله ولا ما يوازيه منذ أكثر من عشر سنوات تقريبا، الديوان ملحمي في بنائه، وفي شعريته التي تمتح من الحوار والسرد والتداعي الحرّ..، وتؤجّج اللغة لتخرج عن سياق التراكيب العامة ، لتضع المجازات في منعطفات شعرية تدخل في صميم المشروع الشعري لصلاح بوسريف…

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock