محمد الهادي الجزيري يكتب: يا أيّها الموتى بلا موت تعبت من الحياة بلا حياة..”

يا أيّها الموتى بلا موت تعبت من الحياة بلا حياة..”

محمد الهادي الجزيري

في جلسة حميمة قابلت فيها بعض الأصدقاء ..تحدثنا خلالها عن مواضيع كثيرة …بدءا بأنباء الأسرة ومرورا بغلاء المعيشة وانتهاء بحماقات بعضنا من الأدباء في الساحة الأدبية وما جاورها …فقادنا النقاش إلى مسألة أعتبرها، رغم مشاغلي اليومية العائلية والعاطفيّة والشعريّة الكثيرة، في غاية الأهميّة وهي: لم يكتفي الكاتب بصياغة مخزونه المعرفي ورصيده الفكري، ولا يكتب حياته إلاّ من رحم ربّي؟، فالأغلبية الساحقة للأدباء العرب يتحاشون الخوض في تفاصيل حياتهم الشخصيّة: ” مشاغلهم اليوميّة، همومهم العائليّة والعاطفيّة، هواجسهم السريّة، جلساتهم مع الأصدقاء، مؤامراتهم ضدّ الأعداء، مشاركاتهم في الحياة العامة …سفراتهم إلخ، وهل أنّ الكاتب العربي ليس سوى موظّف لدى الأسرة والقضيّة والدولة والمجتمع؟، بمعنى أنّه أشدّ الكائنات الحيّة والميتة حرصا على السلامة وذلك بإرضاء جميع الأطراف والجهات والحساسيات المختلفة، هذا ما يبدو إذا راجعنا على عجل ذاكرتنا الجماعية وجردنا المدوّنة الأدبيّة العربيّة، فأغلب الكتّاب يمكن إدراجهم في الخانات التالية:

خانة أولى: كاتب يقدّم نفسه داخل كلّ نصوصه ناطقا رسميّا باسم فلسطين واليمن وسوريا والعراق وليبيا وغيرهما من الجراح العربيّة، ولا شيء آخر.. لا طفولة له ولا عشق ولا شكّ ولا ضعف ..لا شيء على الإطلاق ، لا حبّ يشغله ولا هوس يتبعه حيثما ذهب .. فهو محرّر الأرض والسماء بالكلمات ولا ذات له حسب ما يريد إشاعته بين الناس….

خانة ثانية: كاتب يعبث بالأبجديّة ويرجم القرّاء بما يشبه الكلمات المتقاطعة، مع الحرص على أن تكون نصوصه باردة جامدة خالية من كلّ روح، ومن كلّ ما يشي بآدميته أو يفضح أنّ بين ضلوعه قلبا وفي جمجمته عقلا.. وأنّ في طيّات جثّته روحا ..، صراحة أشكّ في ذلك تماما ، فما يمنّ به علينا بعض ” الآلات الكاتبة ” يؤكد موتهم الكتابي( على وزن موتهم السريري) والعياذ بالله

خانة ثالثة: كاتب مختصّ في السفر، ليس في متاهات النصّ بل في أحراش الجغرافيا، وإن كنت شخصيّا لا أحسده على التشرّد المريح من إقطاعيّة إلى أخرى، فلي الحقّ كلّ الحقّ في التساؤل عن مدى تغلغل شفرة الكتابة فيه، إذ لم يكتب حرفا واحدا عن العوالم التي توغّل فيها ولم يدوّن في مقالة يتيمة تحيّة واحدة للشعوب التي تعرّف عليها، لم يعد من سفراته الكثيرة سوى بالبضائع والهدايا وسقط المتاع، والأغرب من كلّ ما ذكرت أنّه مصرّ على التشبّث بصفة الكاتب..
خانة رابعة: كاتب آخر يمكن أن نلقّبه ب ” دليل سياحي ” فجميع ما حبّره يوحي بذلك، نصوصه عبارة عن زيارات لغويّة إلى خرائب قائمة في تراثنا الشفويّ والمكتوب، ولا علاقة لأخينا بما يحدث الآن وهنا، ولا حتّى مجرّد إيماءة إلى حياة الكائن وما يعتمل في دواخله ، كاتبنا الفذّ هذا، منبثق بغتة من ركام الحضارات القديمة ومنقطع عن العالم الحيّ تماما ..ولله في خلقه شؤون

نقلت هذه الجلسة بعفوية لأبثّكم شكوى الموجوع والموثوق من يده وفمه ..وهو يرى الكتّاب أو ما يشبههم يتهافتون على الورقة البيضاء ..يحبّرونها كما يريدون دون رادع أو خوف من سلطان النصّ ..وكلّ كاتب يغنّي عن ليلاه ..، فليس لي ما أقول سوى ما صدح به الراحل المرحوم سميح القاسم ” يا أيّها الموتى بلا موت تعبت من الحياة بلا حياة..” أو أضيف:

” قمر على أنقاض تونسَ
والفتى الموجوع في يده
والفتى المشلول في فمه يحاول أن يغنّي
أن يؤرّخ ما يعاين من خراب
قبل أن يهمي التراب على الأنا..”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock