د.رجب العويسي يكتب: هل علينا أن نحاكم التعليم على أخطاء تسببنا فيها؟

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

 رجب العويسي

ينطلق طرحنا للتساؤل السابق من فرضيتين، تقوم الأولى على القناعة بما يمثله التعليم من حضور في المشهد الاجتماعي، كونه يعتمد في الأساس على شراكة المجتمع فيه ودعمه له، وهو ما يضعه أمام تدخلات مجتمعية قاسية في بعض الأحيان وغير واعية للمصلحة في أحيان أخرى أو مدركة للنواتج السلبية وخطورتها إلا بعد وقوع الفعل وتحقق السلوك،  أما الفرضية ألأخرى فما تشكله المواقف اللحظية والعارضة التي تحصل – وهي بدون قصد متعمد- في التعليم  في مختلف مؤسساته ومستوياته، من هاجس  للشركاء من خارج المنظومة وداخلها، والتي قد تأخذ مسارات متنوعة في التعامل معها أو في طريقة قراءتها وآليات تفسيرها، والآراء ووجهات النظر المتغايرة أحيانا والمتطابقة أحيانا أخرى،  وما يحمله بعضها من جدية في الطرح والموضوعية في الرأي،  وما قد يظهره بعضها الآخر من علامات الاستفزاز والتهكم والسخرية.

لذلك نعتقد بأن المسألة التعليمية اليوم لم تعد مجرد طالب ومعلم ومدير مدرسة،  ولم تعد مجرد مبنى مدرسي ومستلزمات دراسية أساسية أو تكميلية،  فهي أوسع من ذلك كله، ولم يعد دور التعليم مقتصرا على المدرسة والجامعة فحسب بل أن الكثير من القضايا التي يمارسها المجتمع باتت تلقي عبء نواتجها السلبية على التعليم ، فأي اخفاق في السلوك تتجه فيه أصابع الاتهام للتعليم، وأي قصور في تربية المواطنة والأخلاق والانتماء والقيم تنعت فيه التربية المدرسية والجامعية في حاجتها إلى مخاض جديد، في حين لم يكن للنجاحات التي يحققها البعض أي إشارة لدور هاتين المؤسستين أو غيرهما وإن ذكرتا فعلى استحياء  وقد يشار إليها خلسة وخفية، لذلك اختزلت المدرسة  والجامعة كل الأحداث وتحملت كل الشطحات الحاصلة من المعلم والطالب وولي الأمر والأكاديمي ومسؤول التعليم وغيرهم  حتى وإن كانت الممارسة خارج نطاقهما.

 ويؤسفني حقا أن أقول: إننا ما زلنا لم نفهم التعليم ككيان ومنظومة مجتمعية يتشارك الجميع سيئها وحسنها، اخفاقها ونجاحها، فإن شعور جميع الشركاء في التعليم من أولياء الأمور والكتّاب والمثقفين ورجال الأعمال والتربويين والأكاديميين والفنانين وغيرهم ،  بأن التعليم  طريق لحياة متعددة وتربية أصيلة وسلوك قويم ومنهج رصين وإدارة ناجحة وقيادة فاعلة  وسلوك متميز وهوية راسخة وقيم نابضة ونماذج مضيئة، عندما سينجح التعليم في تحقيق أهدافه، وسيصل إلى بلوغ مداركه ، إذ الجميع حاضر في معمعة العطاء ومشارك في مسيرة الإنجاز ، وناقل محترف للرصيد الثقافي والفكري  والأخلاقي الذي يستهدفه التعليم في حياة الأجيال،  لن نرجو من التعليم النهوض إلا إذا نهضت أخلاق القائمين عليه والعاملين فيه والحاملين لرسالته، ولن نتوقع منه تقدما ملحوظا إلا إذا تقدم إطار الوعي وفقه العمل وثقافة الأداء فينا ، فنقف معه في  زحمة الانجاز، ونبني خلاله مسيرة التميز، عندها سيجد التعليم في ذلك من يسانده لبلوغ غاياته، ومن يعتمد عليه في عصمة أدواته وقراراته.

لن ينجح التعليم عندما نتعامل معه على أنه المسيء، وأنه السبب في أي اخفاق، أو عندما نقرأه في شخص الممارسين له، نحن بذلك نحاكم التعليم على أخطاء تسببنا فيها، وقرارات أخطأنا في تقديرها وممارسات خرجت بالتعليم عن إطاره وشحطت به عن أهدافه ووجهته لسلوك طرق أخرى ليست في اختصاصه مع أننا ندرك أن له حدود الاستطاعة، وأن القوة التي نمنحه إياها في استدامة تفاعلنا معه، إذ كيف لنا أن نرجو له التقدم ونحن بين فترة وأخرى نرجعه إلى مربعه الأول في قضايا يفترض أن نحسمها من الأساس. ولعل ما يزيد الأمر فداحة أن دخلتنا العاطفة عندما أراد التعليم حسمها، وتنازعنا رأينا عندما أراد التعليم منّا بيانا يسجّله في ذاكرة قراراته، فأسأنا التشخيص واحتدم سعارنا في تقديم الوصايا والأفكار التي توقعنا أنها غريبة عن التعليم في حين أنها كانت حاضرة فيه،  تبحث عن ناقل لها من بين سطور مناهجه وفلسفته وأدواته إلى الواقع، فخشينا أن نفتح على أنفسنا أبواب الابتكار وفضيلة الاختيار وسلوك المنافسة  فتتوالى علينا المسؤوليات وصيحات التغيير وتتفاعل همسات المساءلة، فنحن جميعا أفرادا ومؤسسات بحاجة إلى التحول من فرديتنا المفرطة وموقعنا العاجي لنتشارك مع الجميع  مساحات الشعور بالمسؤولية وأن نرضى ان نعمل معا حتى ندرك حجم المشكلة، فإن العين الأولى لمؤسسات التعليم هم الشركاء جميعهم، بدءا من المتعلم ذاته والمعلم والممارسين للتعليم في بيئاته، والقائمين على نظم المتابعة والاشراف بالمستويات التنظيمية الأعلى، والمجتمع بكل مفرداته وأطيافه، الذي يبني للتعليم أطر نجاحه، ويرسم له خطوات تقدمه.

إن علينا بذلك حماية المدرسة والجامعة  من كل هذه المظاهر التي باتت تقوض بنيانها وتسئ إلى أخلاقها وتضيع هيبتها وتعكس صورة أخرى  غير متوافقة مع رسالة التعليم كمنهج حياة، ومسار نهضة أمة، فإن على مجلس التعليم الموقر أن يتخذ الاجراءات الكفيلة بالمحافظة على سمعة مؤسساتنا التعليمية جميعها باعتبارها خط لا يصح النيل منه، عبر ايجاد تشريعات وطنية تحفظ للتعليم حقوقه من أن تطالها أيادي العبث أو أي مسارات قد تزل بأهدافه أو تتجافى مع أولوياته أو تضيع سنوات تربيته، أو  تشوّه صورة المنجز التعليمي أو تضيعه أو تلحق الضرر به بقرار أو فعل أو ممارسة أو أسلوب أو اتهام أو تساهل من قبل القائمين على التعليم، وما ينتج عنه من اخفاقات في أداء المؤسسة التعليمية وضعف الثقة فيها ، فتقرأها في غير هدفها، وتنظر إليها في غير محلها، وتبرزها في غير صورتها التي يجب أن تكون سامية عالية بسمو رسالة العلم وعلو قدر العلماء، كم نحن بحاجة إلى اخراج المدرسة والجامعة من هذه الأحكام وإبعادها عن هذه المزالق التي نتعمد الوقوع فيها، وتجنيبها  سيئات ما كسبت أيدينا ظلما وعدوانا. أما أولئك الذين يجدون في المواقف اللحظية والحوادث العرضية متعتهم وفرصتهم للاهتمام بالتعليم، فنقول لهم: شكرا لكم فالتعليم بحاجة إليكم في كل الأوقات، وأن حضوركم المستمر فيه سوف يجنب التعليم أخطائنا المتعمدة وانتكاساتنا المتكررة التي أسقطناها على مؤسساته.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock