د.عبدالله باحجاج يكتب: خطابنا الدبلوماسي متفائل ..والرأي العام العُماني محبط ، ويتساءل

أثير- د.عبدالله باحجاج

ظهر في الأسبوع الماضي تباينٌ في الخطاب الدبلوماسي العماني مع الرأي العام عامة والنخبوي خاصة من قضايا خليجية خليجية ، وعمانية خليجية ، وهذا التباين كان واضحا في درجة انشغالات واهتمامات الدبلوماسية عن بيئتها الداخلية التي تمثلها النخب العمانية على وجه الخصوص والرأي العام عامة .

بدأ الخطاب يخاطب المستقبل أكثر من الحاضر ، وذلك عبر رسم صورة متفائلة عن تماسك التعاون الخليجي ، وعن مستقبل مصير مجلس التعاون الخليجي بدوله الست رغم سوداوية واقعه الراهن ، ومحاولات البعض أن يظل الواقع الخليجي رهين الماضي ، بمؤامراته ودسائسه ومغالطاته .

ويكاد يكون هذا التباين متزامنا ” توقيتا ” ولافتا ” وهذه حالة غير مسبوقة تماما ، مهما كانت السياقات ومبرراتها ، ومهما كانت خلفياتها ، فعهدنا بالخطاب الدبلوماسي تفضيل الصمت دائما في وقت الضجيج ، والعمل بعيدا عن الأضواء لمصلحة الكل مهما استشكل على الآخرين فهم ماهية العمل الدبلوماسي العماني من قضايا حساسة جدا ، فتظل الحقيقة في الأخير تصدع بخيرية الموقف العماني للكل ، وليس انحيازا لطرف دون أخر ، كما قد يفسره ويؤوله البعض منذ الوهلة الأولى.

فكيف لو كانت ساحتنا الوطنية محتقنة بقضايا ثنائية وجماعية خليجية مثيرة ، ومتصاعدة ، وهى في ذروة التصعيد الان ؟ عندها يكون التباين محط اهتمام ، ومدعاة للتساؤل من عدة رؤى سياسية أبرزها : هل ينبغي ان يكون الخطاب الدبلوماسي بمعزل عن انشغالات واهتمامات النخب والرأي العام أم متناغما معهم سرا وعلانية ، أم انه ينبغي ان يمارس الفعل الذي يفتح النفق المظلم خاصة اذا ما توفرت لديه معطيات موضوعية تزكي تفاؤله المطلق؟

يطرح التساؤل الثلاثي الأبعاد ، قضية انشغالات النخب والرأي العام في بلادنا بين من يحاول إثارة شأننا الداخلي عامة وفي تفجير فتنة في جزء أصيل من جغرافيتنا العمانية خاصة ، وهي مسندم ، وبين نظرة دبلوماسيتنا للمستقبل ترفعا عن تجاذبات الحاضر، فهل كان ينبغي دبلوماسيا إطلاق التفاؤل المطلق في خضم هذه الأجواء المثيرة والمستفزة ؟ وأيهما له الأولوية الوطنية ، وقف الفعل وردوده في كل العواصم الخليجية أم اثبات التعاون الخليجي ؟
• استجلاء النوايا من خلال ما يظهر فوق السطح .

نقف الآن في مرحلة كشف وانكشاف النوايا ، لأننا نؤمن بان اية تفاعلات تظهر فوق السطح لابد يكون وراءها مصانع تنتجها من تحت السطح ، فهى اي التفاعلات ليست ناتجة لذاتها بذاتها ، وانما وراءها ذوات سياسية محركة لها ، فمثلا رعد الشلال ” الأردني الأصل المتجنس إماراتيا ” هل يسلم العقل بان فتحه لملف التجسس في بلادنا يمكن ان يكون فرديا ، أي بمبادرة منه ؟ هنا منطقة عقل ، وكذلك ، تغريدات سامي العثمان رئيس تحرير جريدة الرياض السعودية بشأن علاقة مسقط مع الحوثيين ، فهل يقبل العقل بفردانيته ودون اية إيعازات سياسية ؟ وكذلك رجل الاعمال السعودي مشيب الحبابي الذي خرج بتوصيفات مسيئة جدا لنا .. هل سيظل طليقا حتى الان لو لم يكن يعبر عن توجه أو مدفوع له ؟

نحن نتحدث هنا عن عواصم تسيطر على كل مضامين الخطابات الإعلامية ، وتملك كل أدوات ووسائل تشكيل رأي عام مؤثر في الفضاءات الإلكترونية ، فلن يخرج من رحمها الا بإرادتها وموافقتها ، ولن يتجرأ مثل هؤلاء الفاعلين في تصدير مثل تلكم المواقف دون أن تحمل صفة النيابة عنها ، فكيف بمتجنس يفتح ملفًا خطيرًا جدا وحساسًا جدا ، ويقلب المفاهيم والقناعات السياسية المعروفة عن ملف التجسس ، ويستدعيه الآن من الماضي لضرب الحاضر ، ولماذا يعاد فتحه الان رغم مرور نحو عشر سنوات ؟ هذه مسألة عقلية بامتياز .

ونحن نتحدث هنا كذلك عن أسماء حقيقية ، تعمل داخل أراضٍ شقيقة ومجاورة ، وفي وسائل اعلام رسمية ، بمعنى ليست بأسماء وهمية ، فالقضية هنا بعيدة كل البعد عن الذباب الإلكتروني الذي قد يحاول احداث فتنة بين البلدين الشقيقين ، مثل التغريدات التي تحمل اسم عائلة مجاورة مشهورة – سنحسن الظن ونصفها بأنها مضادة – تمس وحدتنا الترابية من جهة مسندم .
والتساؤل الذي يحير العقل ، وهو الذي يحفزني على كتابة هذا المقال ، هو ، لماذا لم تعمل هذه العواصم على وقف مثل هذه الاستفزازات المتجددة والمتكررة ؟ وتحاكم فاعليها بموجب قوانينها الداخلية ؟ لو فعلت سنفصل هذه التفاعلات عن بواعثها أو مصدرها السياسي ، ولو فعلت لما تكررت الإساءات والاستفزازات ؟ فهل هنا افتراض حسن النية ؟ وهنا ينبغي التسليم بتسييس التفاعلات ، لكن هل وراءها أنظمة أم تيارات داخلية مؤثرة فيها ؟ وهل وراءها تصفية حسابات عامة أم خاصة ؟ وهل يمكن أن يحدث هذا الفصل داخل دول تحكمه أسر بصورة مطلقة ؟
• محاولات فهم صدمة التفاؤل المطلق
تندرج التصريحات الدبلوماسية العمانية الأخيرة بشأن مستقبل الوضع الراهن لمجلس التعاون الخليجي وآفاقه ، ضمن التصريحات الإيجابية النادرة جدا ، خاصة وان الازمة بين الاشقاء لا تزال تراوح مكانها من حيث حدتها ، وتعارض المواقف وتصعيدها ، والافعال الضدية المتبادلة من كل الأطراف ، مما يظل التفاؤل المطلق للدبلوماسية العمانية ” صدمة للوعي ” و” صدمة فوق الفهم ” اذا احتكمنا للسياقات الظرفية لها سواء على الصعيدين المحلي أو الخليجي ، فالدبلوماسية ترى ان التعاون الخليجي متماسك ، والخلافات مآلها للزوال ، وقد عبرت عن ثقتها ، بأن مجلس التعاون الخليجي سيبقى صرحا راسخا يتجدد .
وهذا التفاؤل المطلق هو نظرة للمستقبل فوق الحاضر الذي فيه تتصاعد الأطماع الجيوسياسية ، وفيه تجمدت مشاريع التكامل الاقتصادية الثنائية والجماعية بين دول المنظومة ، وتنصلت بعضها عن التزاماتها التنموية للآخرين ، فكيف يكون التعاون الخليجي متماسكًا ؟ ولو اخضعنا تفاؤل الدبلوماسية للواقع الخليجي من خلال صوره سالفة الذكر ، فلا يمكن رؤية أية نسبة مئوية للتفاؤل ، بل العكس هو الصحيح ، لكن فالأرجح هنا ، الرؤية المستقبلية وما تعلمه الدبلوماسية العمانية عن مطابخها السرية ، وأجندتها الدولية ، وبالذات الامريكية الذي يجد ترامب نفسه في امس الحاجة للتماسك الخليجي لمواجهة استحقاقات إقليمية وعالمية ، فهو سيكون بحاجة إلى دعم المنظومة الخليجية كاملة لنجاح عقوباته المتشددة على إيران ، وهو محتاج أكثر لها كاملة لمواجهة تحديات جيوسياسية على الممرات المائية كالبحر الأحمر والمحيط الهندي بعد دخول الصين وروسيا إليها.
وهو كذلك محتاج للدول الخليجية كاملة بعد الاتفاق الثلاثي الإيراني التركي الروسي للازمة السورية ، وهو محتاج لها كاملة لحل أزمات إقليمية كاليمنية ، ولنجاح صفقات تاريخية في المنطقة .

وقد تكون ظرفية التفاؤل تتناغم مع مسار تطوير العلاقات العمانية البحرينية على وجه الخصوص ، والمشاورات التي تجري على هامش حدث خليجي شارك فيه الأمين العام لمجلس التعاون .. واستضافته صلالة مؤخرا برعاية رفيعة المستوى ، وتتناغم معه كذلك ، لقاء أمير الكويت مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض لنجاح وساطته بين الأشقاء .
وهذا يرجح نظرتنا للتفاؤل الدبلوماسي العماني ، كونه من صناع الفعل ، ومبشرًا بالانفراجات بصرف النظر عن بيئتها المحبطة ، أو من يقف وراءها ، كما لا يرتهن ولا يرهن نجاحه لماضٍ سلبي ، ولا لحاضر يرجعنا للماضي ، وهو بذلك ، لا يحتكم للعواطف ، ولا حتى انكشافات الحقائق ، ولا حتى تزويرها ، فرؤيته أن المنطقة الخليجية لن تتقدم ولو خطوة للأمام ، ما لم تأخذ الدبلوماسية العمانية زمام المبادرات رغم محاولات البعض تكريس الخلافات ، وجعلها حاكمة للحاضر ، ومحاصرة المستقبل .
أخيرا :
هل تراهن دبلوماسيتنا على المستقبل أكثر من غير الذين يحاولون استدعاء الماضي وإغراقنا في الحاضر ؟ من حيث المبدأ ، نقف مع منطق دبلوماسيتنا الرائع الذي يحاول العمل بمنظور المستقبل ، لأنها تؤمن بأن مثل تلكم الاستفزازات مهما من كان وراءها ما هي الا صرخات لن تنفذ للواقع ، فمسندم ستظل جزءًا من الجغرافيا العمانية ، ومجتمعنا متماسك بوعي العقل ، وعقلانية التحديات الجيوسياسية ، وقدسية الخيارات الديموغرافيا العمانية من شمالها الى جنوبها داخل جغرافيتها المؤحدة والمتحدة .
لكن ، هل ذلك يعفي دبلوماسيتنا من العمل لوضع حد للاستفزازات التي تخرج بين الفينة والأخرى من عواصم شقيقة ومجاورة ؟ اذا كانت سابقا لا ترى في ذلك مسوغًا للتدخل ، فإن الآن يستوجب التدخل عبر الدبلوماسية الهادئة ، لأن الخطابات العابرة لحدودنا قد أصبحت تثير الشكوك بقلب الحقائق المتعارف عليها ، وكل المؤشرات تشير الى اننا سنشهد حملة ممنهجة لإثارة داخلنا ، وإدخاله في معمعة قلب الوقائع والحقائق على شاكلة رعد الشلال .

وهذا لن يكون لصالح المستقبل الخليجي الذي تراهن عليه دبلوماسيتنا ، لان الواقع الان يستهدف الروابط الاجتماعية ، والمساس بالقوة الناعمة التي لا تقل أهمية عن القوة الصلبة ، وسنشهد قريبا ما هو أكثر استهدافا من حيث قلب الوقائع والحقائق الماضية ، لذلك ينبغي حمل القناعة الخليجية المشتركة على وقف هذه الحملات وتصعيدها التي يستغلها الذباب الإلكتروني للضدية التي تخدم مصالح من يدفع له ، فالملفات السلبية يجب ان تظل في غياهيب الماضي، وتجريم استدعائها .

لدينا كل الثقة في دبلوماسيتنا الذكية في حمل الأشقاء على تصويب هذه المسارات وعقلنتها ، واستثمار المستقبل بعيدا عن صناعة أزمات طارئة أو استدعاء ملفات سابقة لاستثمارها إعلاميا فقط ، فذلك سيكون على حساب الثقة التي هي أساس المستقبل ، فهل سنشهد فورا وقف الإساءات والاستفزازات والمغالطات والإهانات ؟ تساؤل نطرحه على كل الاشقاء في الخليج من منطق خليجنا واحد ومصيرنا واحد .. وهذه حقيقة وليس ترديدا لأغنية خليجية في حقبة حلمنا بالوحدة الخليجية قبل أن تغتاله الفردانية السياسية ، والفردية الاستعلائية .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock