د.رجب العويسي يكتب: ما دور التعليم في ترسيخ مفردة الوعي الحقوقي لدى الأجيال؟

د. رجب بن علي العويسي
رجب العويسي
خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية ما يمكن أن تؤسسه مفردة الحقوق والتوسع الحاصل لها في المناهج الدراسية والتفاصيل الدقيقة التي باتت تتناولها سواء من حيث الأنشطة والتساؤلات المطروحة على الطالب وما يعرضه المحتوى من نماذج عملية لهذه الحقوق والتوجهات الوطنية الساعية إلى التمكين وغيره، كونها تؤسس لمسار بناء الفرص الحقوقية للمواطن وتعظيم وجودها في حياته الدراسية والشخصية والمجتمعية كقيمة مضافة تنقل خلالها المتعلم من كونه المتلقي للخدمة التعليمية الى دور المنافس والمثابر في توظيفها من أجل مستقبله وترقية طموحاته القادمة.

إن وعي المتعلم بحقوقه وإدراكه بما تعنيه هذه الحقوق من رصيد عليه أن يبحث عن عوامل نجاحه وآليات المحافظة عليه، وتوقعاته الشخصية التي يمكن أن تتحقق نواتجها عليه مستقبلا، يضعه أمام مسؤولية توجيه هذه الحقوق نحو خلق تمازج بينه وبين بيئته الاجتماعية والتعليمية والأسرية وبيئة العمل، إذ يضعه أمام مسار الاعتراف الذاتي النابع من قناعة المتعلم الصادقة بأن ما يتمتع به من حقوق يستدعي منه شواهد اثبات في الواقع تبرز في مساحة المسؤوليات والواجبات التي يؤديها كنواتج لهذه الحقوق، لما لها من أهمية في قدرة المتعلم على التمييز بين هذه الحقوق واعطائها نصيبا من الاهتمام وربط تحققها بمسارات ومسوغات قائمة على الوعي والفهم والاحترام والولاء والانتماء وترقية مساحات الذوق في الحصول عليها، وبالتالي ما يجب أن ينعكس على سلوك الأجيال وهم في مقاعد الدراسة بما يمكن أن تصنعه الممارسة التعليمية الصفية والأنشطة التعليمية والحوار التعليمي ومصادر المعرفة التعليمية وغيرها من نماذج عملية مصغرة لبناء مفهوم الوعي الحقوقي في حياة الطالب، لتنعكس بالتالي على حياته القادمة كمواطن مسؤول، فيقرأ في الحق التعليمي ذاته معايير الحصول عليه وطريقة التعامل معها بدءا من مشاركته في الصف ونصيبه من أسئلة المعلم وحقه في أن يكون له موقعه وحضوره الفعلي في بيئة التعليم وتقدير تعلمه واحترام رأيه ومراعاة قدراته واستعداداته في ظل مبدأ تكافؤ الفرص وتلقيه لتعليم عالي الجودة وغيرها، وما يرتبط بهذه الحقوق أيضا من واجبات يؤديها كالمشاركة واحترام المعلم وتقدير التعليم والانضباط والاستذكار والعلاقات الداخلية في بيئة التعليم واحترام الزملاء والمعلمين وغيرها .

على أن المشرّع العماني نظم عملية الحقوق في إطار متوازن ينظر للمسألة الحقوقية في ابعادها الإنسانية التي تتفاعل مع الإنسان في كل الظروف والأحوال وتتعايش معه في كل مراحل عمره، فقد أورد النظام الأساسي للدولة في الباب الثالث منه العديد من الحقوق المدنية التي ينظمها القانون ويضبطها المشرع وفصلت القوانين واللوائح عمليات الحصول على هذه الحقوق والاليات التي اقرها المشرع فيها، وكيف يتعامل معها فأسست بذلك مفهوم أعمق للحقوق تتسم بالاستدامة والكفاءة والفاعلية وتعميق مسيرة المنجز الوطني ليؤدي دوره في تلبية حقوق المواطن كأولوية أساسية، فحق التعليم والصحة والامن والرعاية والعناية به، وحقوق الجنسية والمساواة بين المواطنين والعدالة الاجتماعية والتعبير عن الراي والحقوق المرتبطة بالحريات المدنية سواء ما يتعلق منها بالحرية الشخصية وحرية الشعائر الدينية وغيرها كثير، حقوق نظمها القانون ويؤسسها الوعي الذي يمتلكه المواطن في قدرته على توظيف هذه الحقوق من أجل سعادته واطمئنانه وامنه الذاتي والوطني، ويستمر هذا الدور للتعليم في تصحيح المفاهيم المغلوطة حول هذه الحقوق وغيرها، وآلية الحصول عليها وطريقة التعامل معها والقيم التي ينبغي أن تضبط مساره وهو يمارس هذه الحقوق ، فعندما يؤسس التعليم في الأجيال كفاءة الأدوات ووضوح الاليات ويضمن تشبّع المتعلم بها وقدرته على استخدامها بشكل سليم وفق القواعد والضوابط المحددة، عندها يصبح الوعي الحقوقي الذي يؤديه التعليم بكل مراحله في بناء الأجيال، الرهان المجتمعي الذي يقرأ في التعليم الجدارة والثقة في بناء متعلم واع بحقوقه جاهز للانطلاقة بها في سماوات العمل والإنتاج والوظيفية والمسؤولية، فيتجاوز فهمه للحقوق أثرة الذات وأنانية المشاعر وتحجيم تحققها في احتياجات شخصية وقتية، واسقاطات تأخر حصوله على هذه الحقوق على حالة الإفلاس الفكري والأخلاقي وضعف الشعور الصادق نحو الوطن أو التقاعس عن أداء الواجبات او القيام بمسؤولياته كمتعلم ومواطن في الوقت نفسه، بل يتسع ليشمل البحث في مشتركات الإبقاء على هذه الحقوق مستمرة وإن كانت بصورة متقطعة ، فيقنع نفسه بذلك ويبني طموحاته على هذه المشتركات الحقوقية، فلا يعني عدم تحقق الحق انتفاء الواجب ، بل تصبح المسؤوليات رديف الشعور الوطني الذي يلازمه في كل ممارساته وتوجهاته القادمة.

وعليه فإن اتساع الأفق في قراءة الحقوق واستجلاء كل المتغايرات التي باتت تصنفها في كونها غايات يجب أخذها بالقوة، محطات لإثبات قدرة التعليم على خلق منصات التقاء وحوار حول هذه الحقوق، فمع مستوى الشعور الذي يتولد لدى المتعلم من إدراكه لحقوقه في سبيل تحسين حياته، وتطوير ممارساته وترقية جوانب المهنية لديه، إلا أنه ينبغي أن يؤطرها وفق القواعد المجتمعية والأعراف الحضارية الراقية والتشريعات وأنظمة العمل النافذة، مراعيا في ذلك مساحات الذوق والحوار واحترام السلطات وحدود الصلاحيات وسيادة القانون، كما أن إدراكه للمتغيرات والظروف التي تقف عائقا أمام تحققها بنسبة كبيرة لا يعني ان تكون المطالبة بالحقوق جزء من العبث بالوطن وأمنه واستقراره أو القيام بممارسات قولية وفعلية تتنافى مع المعايير والقوانين المرسومة في هذا الشأن، بل بتكريس مساحة المرونة والبدائل المرتبطة بهذا الوعي بما ينقله من التجريد والذاتية المطلقة بالمطالبة بالحقوق إلى كونها استحقاقات يمكن الحوار بشأنها في ظل ما يمكن أن تقدمه لبديل التنمية وتؤصله من احترام للحقوق ذاتها، فيمتد هذا الوعي ليشارك مؤسسات الدولة آليات العمل وبدائل الحل، على أن الفرص التعليمية والدراسية التي يتلقاها الطالب العماني وهو على مقاعد الدراسة والمبادرات التطويرية التي تستهدف تعزيز جودة تعلمه، شاهد اثبات على الحضور المستمر للمفردة الحقوقية في حياة المواطن.. فهل سيمارس التعليم دور الموجه الواعي والناصح الرشيد الذي يضع المنظومة التعليمية بكل تجلياتها منطلق يصنع القوة لحقوق الأجيال ويؤسس وعيهم نحوها، أم سيظل يتناولها في كونها ممارسة مجردة ومتطلب دراسي دون الدخول في عمق التأثير واحتواء التباينات الحاصلة في تقييم

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock