د.رجب العويسي يكتب: كيف نؤسس لوعي الأجيال في استخدام منصات التواصل الاجتماعي؟

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

في عالم شكّلت التقنية جزء من حركته ومنطلقا لرسم سياساته، بما فرضته على واقع الإنسان من توجهات جديدة عليه أن تعامل معها بمرونة، ويتفاعل مع معطياتها بوعي ومهنية ، تؤسس علاقة توازن بين الفرد والتقنية بشكل يضمن بقاء خيوط التفاعل متصلة ومعايير الالتقاء مؤصلة، تأتي أهمية أن ندرك جميعا مستوى الحساسية والخصوصية التي تعايش هذا الموضوع فهو ” السهل الممتنع” لما يحمله من عمق ويستدعيه من تناغم في مقتضيات العمل ومكونات الأداء، لتظل هوية الإنسان نافذة فيه، وقوة تحكمه قائمة عليه، فلا ينأى بنفسه عن اكتشاف ما تحمله من رصيد إيجابي، فيوجه بوصلته لصالح عالمه ويتعامل مع محتواها بوعي وينتقي آلياته في ظل شواهد اثبات ومحطات مراجعة وآليات عمل تضمن لها القبول والاعتراف، وتوافق منتجها الفكري مع منظومة القيم والأخلاقيات والموجهات الوطنية التي تستهدف صناعة مواطنة المواطن وترقية أحاسيسه ومشاعره وأذواقه وعواطفه بصورة متوازنة تنعكس على شخصيته كمواطن فاعل في عالم متغير.

وبالتالي فالقول بإمكانية المنع المطلق أو التقييد السلطوي القسري من استخدامها أمرا غير متحقق في ظل موقع التقنية في سلم الاهتمام الإنساني والمزاج الشخصي، وما قد يترتب عليه من تأثير سلبي في فكر جيل التقنية والعالم الافتراضي وتحجيم نظرته إليها على أنها عالم يسيء للإنسان وقيمه وأخلاقه، لذلك كان أي توجه يسعى لقراءة منصات التواصل الاجتماعي في ثقافة الأجيال وفكرهم أن يبنى على منظور استراتيجي واضح ومسار تربوي وتعليمي يجيب عن التساؤلات التي تطرحها التقنية في عالم الإنسان ومسارات التحول التي تصنعها في بناء شخصيته، فيما يفكر به وما عليه أن يتعلمه والطموح الذي يحققه من استخدام التقنية، والتوقعات التي ينظر خلالها إلى النواتج، بشكل يضمن مساحات اقتراب أكبر منه وفهم البيئات التي يعيشها والمعطيات التي يتعامل معها وجوانب التفكير التي يحملها في مستقبله وحالات القلق والاضطراب التي يعيشها، مراعية طبيعة التحول المطلوبة والأدوات المستخدمة التي تختلف باختلاف طبيعة الفرد نفسه والسمات التي تطبع شخصيته ومستوى انقياده للتأثير وقبوله للتوجيهات، هذا الأمر يقودنا إلى موجهات عديدة تتدخل فيها الآليات التي نعتمدها في عملية إعداد المتعلم لتحمل تبعات التقنية ومسؤوليته في الانتقاء السليم لها والاختيار الواعي لبرامجها وتعويده نحو اتقان عمليات التحليل والمقارنات والتشخيص والنقد وكيفية الاستفادة من هذه المنصات بشكل يضمن قدرته على التأثير فيها وتطويع استخدامها لصالح تقدمه العلمي والدراسي وتفاعله معها بوعي .

عليه نعتقد بأن بناء تصور إيجابي واعي لدى الأجيال حول التقنية يستدعي قدرة محاضن التربية ومؤسسات التعليم والاعداد على تبني استراتيجيات تعليم وتعلم وأدوات توجيه وتثقيف تتناغم مع حدس الأجيال وتوقعاتهم وتستجيب لكل التحولات التي يمكن أن تحصل في عالمهم مع إضافة لمسات الضبطية والتقنين والتقييم والمراجعة وحسن التوجيه والخطاب مع ضبطه بمنظومة المبادئ والاخلاقيات والقيم التي بدورها تصنع سياجا ذاتيا وعمقا فكريا واضحا في حياة المتعلم والقناعات التي تتولد لديه حول التقنية ذاتها، بما يعزز لديه مبدأ الثقة في النفس ويرسخ في ذاته عملية الاختيار والانتقاء، ويعوده على البحث عن الأفضل من المصادر الموثوق بها، فإن صناعة سياج ذاتي في شخصية المتعلم وتقريب المفاهيم لديه وتصحيح المغلوط منها وتعميق روح النقد والاختيار، يستدعي جهدا مشتركا يقوم به المجتمع وتتبناه المؤسسات ويؤصله الخطاب الإعلامي والتعليمي، لبناء قواعد عمل مشتركة لتقترب بشكل أكبر منهم في حوار يتسم بالتكافؤ والاعتراف بما يطرحونه من أفكار في قضاياهم الشخصية أو الأسرية أو الاجتماعية أو المواقف اليومية التي تشكل هاجسا شخصيا لديهم أو مصدر قلق لهم، واستثمار دخولهم لهذه المنصات بالشكل الذي يضمن استفادتهم منها.

وإذا كانت منصات التواصل اليوم ضرورة إنسانية عالمية تعدت الترف الفكري فإن المنظور المستقبلي لها سوف يضعها في قائمة المحركات الأساسية للمعرفة الإنسانية وسيكون حضورها في واقع الحياة اليومية للشباب والمواطن على حد سواء فرصة للبحث عن استثمارات قادمة لها توجه لصالح الإنسان وتنميته، إذ تحمل اليوم في أجندتها موجهات لصناعة أفضل الممارسات الإيجابية في مختلف المجالات في ظل فرص الترويج والتسويق النوعي لها وحركة التفاعل والحوار التي تتميز بها، وفرض لغة حوارية متجانسة مع الأجيال بمختلف فئاتهم تضمن كشف اللثام عن القضايا التي باتت تشغل تفكيرهم وأولوياتهم الشخصية ، وتعميق الاستفادة من الجهد الوطني في التعامل مع “الابتزاز الالكتروني” في بناء ثقافة وقائية تتيح فرص الاتصال المباشر والافصاح عن الحالات والتوسع في الزيارات والمتابعات التوعوية والتثقيفية للمدارس والمؤسسات التعليمية والأسرة وغيرها، وتعزيز العمل بالتشريعات والقوانين الوطنية النافذة في المجال، سوف يشكل نافذة إيجابية لتأصيل هذا الوعي وترقيته وضمان تحقق نزاهة الاستخدام لها فتصبح ممارسته لها نتاج وعي وشعور بالمسؤولية، وقواعد التأثير والاحتواء وبوصلة التحكم تتجه لصالح الأجيال،، فهل سيعكس دور الممارسين في التعليم والأسرة ومؤسسات المجتمع الأخرى التزام قواعد عمل مشتركة لضبط مسارات هذا التفاعل وتعميق فرص صناعة الوعي حول هذه المنصات وآليات عملها؟

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock