محمد الهادي الجزيري يكتب: مسافات

مجموعة قصص قصيرة

محمد الهادي الجزيري

نحلّ اليوم بالأردن لنطّلع على ” مسافات ” لسمير أحمد الشريف الذي أهداني نسخة منها، وهي مجموعة قصص قصيرة جدّا ..، تنقل لنا الحياة الاجتماعية والسياسية في بلد عربي ، بأسلوب برقيّ وامض يخطف الانتباه ..، وهو أسلوب قريب من كتابة قصيدة الومضة أو اللحظة ..، سنعرض بعضها ونقرأ ما أمكننا منها ..إذ أنّ عددها كبير..وسنركّز على القصص التي نالت إعجابنا والقصص التّي أثارت بعض المواضيع الهامّة……..

نبدأ بقصة ” انتماء ” ففيها إيماءات كثيرة لما يحدث ليس في الأردن فقط..بل في الوطن العربي..، فجلّنا رأى هذا المشهد المتكرّر..واستنكره وأغلبنا كتب وطالب بتغيير أشخاص كثيرين تحمّلوا مسؤوليات جسيمة وما كانوا أهلا لها ..بل استهتروا بمنصبهم وعبثوا بمفهوم الوطنية ..بدل أن يكونوا رموزا لعامة الشعب ..:

” أمر سائقه الشخصي أن ينتظره
ريثما يستلم مستحقاته من المعونة الوطنية..”

هنا يفتح جرحا رغم أنّه يضحكنا ..، فالمسألة الإبداعية صارت رموشا وأشياء أخرى..، قد اختلط الحابل بالنابل ..ولا خلاص لنا ..، اللوحة التي يعرضها علينا هذه المرّة ..امرأة تظنّ أنّ التصفيق لإبداعها وتفوّقها ..لكنّه كان لرموشها الاصطناعية..، الكاتب لم يشر إلى شيء آخر..لسهولة ذلك ولكنه صفع الوضع الثقافي الحالي بما يليق به ..، وهو حانق مثلنا جميعا لما وصلت إليه الأمور..، كتب سمير أحمد الشريف بعفوية ما رآه :

استدراك

” أدركت متأخرة، تلك التي دخلت سوق الإبداع،
أنّ التصفيق الذي كان يملأ القاعة كان لرموشها الاصطناعية.”

يمرّ بنا القاصّ إلى مشهد مؤلم نراه في حياتنا اليومية ..، فمن لم ير عربة الحلوى يمرّ بقربها متسوّل ..، لكن الكاتب أسقط نفسه وهمومه وما في الذات من أحلام وأماني على المتسوّل ليمضغ الوهم ..ويبدع لنا قصّة شبيهة بقصيدة ومضة عنوانها لعاب :

” أمام عربة الحلوى،مضغ المتسول أمنياته المهاجرة ”

لم ينس الكاتب وطنه الكبير..، وتطرّق إليه في عديد القصص..، مثل قصّة ” دروس ” أين اختزل عمره ولخّصه في شارب مبيضّ وعكاز رفيق..، فقد صار الوطن العربي في آخر أيام حياة القاص ( أطال عمره ) قاربا للنازحين خوفا من الحرب ..، بل إنّه يتضاءل تدريجيا يوما إثر يوم ليمسي خيطا يمتدّ مسلولا بمحاذاة البحر..، آلمتني هذه القصة بقدر واقعيتها وصدقها بقدر الوجع الكبير الذي خلّفته لي كقارئ يهمّه هذا الوطن الجريح والمظلوم..:

دروس

” في درس النضال الأول استحضر خارطة الإنسانية، بعد أن ابيضّ شاربه تقلصت الخارطة لعالمه العربي، ما إن أصبح العكاز رفيقه حتى مُسخت الخارطة لخيط يمتد مسلولا بمحاذاة البحر، يلملم جراحه ويرسم في خياله قاربا يغص بالهاربين”

في النهاية حاول الكاتب أن يرسم بالكلمات والجمل القصيرة ما يشهده وما يحسّه من حزن وفرح ..وحاول أن ينقل تفاصيل كثيرة ينوء بها شعبه وقلبه قدر الإمكان ..وأظنّه وُفّق في مسعاه ..وصوّر لنا حيوات كثيرة تعيش بيننا دون أن ننتبه لها …، كما ذكر نفسه وفؤاده وشاغل الروح فكتب قصّة ” حلم ” ..، أترككم معها آملا أن يعجبكم ذوقي …

” أمام اللوحة التي يعلو فيها الموج ضارباً أسوار المدينة،
تمنّى أن يسحبه الماء إلى الأعماق التي احتوت حبيبته.”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock