محمد الهادي الجزيري يكتب: يوميّات الرماد

يوميّات الرماد
مبارك سالمين

” حزين لأنّ البلاد ممزّقة والعباد
حزين لأنّ البلاد تطير “

محمد الهادي الجزيري

عرفته في تسعينات القرن الماضي حين كان يدرس في الجامعة التونسية شهادته العليا، كان حيّا ونابضا بالشعر والألق والأمل..، وتوطدت علاقتنا في مؤتمرات اتحاد الكتاب في مصر والأردن ..وفي مهرجان المربد بالعراق..ونأت بنا الحياة إلى أن حطّ على رمشي خبر إصداره الجديد ” يوميّات الرماد ” فطلبته منه وكان لي ما رغبت فيه …ودخلت الكتاب موجوعا بآلام اليمن ..مؤمنا بأنّ الشعر قد يخفّف من الوجع……….

مثخنا بجراح كثيرة ..ينفلت منه ..من بين أنامله ومن لسانه أوّل البوح نصّ ” أكدار السوق ” كمثل صرخة مُدوية ثاقبة للآذان ..مليئة بمبارك سالمين ..بنفسه المتعبة المكدودة المحطمة، صرخة يطلقها في وجه من أراد باليمن هذا المصير المرعب..، يصبح السوق عنوانا للفناء ومرادفا للقتل والدفن ..لم يبق من السوق وجهه المشرق الصاخب بالحياة بل فضاء يباع فيه الموت ” الحلال “…

” السوق ملآنة بالرصاص
والموت لا يُشترى،
موت بلا ثمن،
بنكهة البارود، بفواكه النار،
بلد الدفء والنكهات،
موت بلا ثمن، ودون خسارة
سيكفّنونك،
سيدفنوك،
مجاملة للأمن،
…موت حلال… ”

” يوميات الرماد ” …قصيدة موزّعة في ثنايا المجموعة ..، ففي كلّ إعادة لمحور اليمن وعذاباته نقرأ منها مقاطع متفرّقة ..، هذه المرّة يسأل الشاعر نفسه أو القارئ عن آخر أفعال الشهيد ..هل شاهد ذاته في نومته الأخيرة ويسأل حثالة الوقت عن مصير قرية لها كلّ مواصفات الحياة الهانئة ..كيف حوّلوها إلى ميدان مفتوح للدمار……..

” هل رأى الشهيد صورته،
وهو نائم للمرّة الأخيرة
هل رأيتم أيها الأوباش:
كيف حوّلتم بلدة، طيّبة
وسعيدة،
وحكيمة ومؤمنة، إلى ملعب للموت؟؟؟”

هل حدثتكم عن عدن..، عن حبيبته الآسرة الأسيرة ..، إنّه بعيد عنها عند أختها الكبرى القاهرة ..، أبعدته الحياة عنها ..لكنّه مهووس بها ومجنون ومتيم ولا امرأة أو مدينة تحتل مكانها …، لكم حدّثني في مرّات سابقة عنها ..وكم سحرتني هذه الفتنة ..وها هو يذكرها في كتابه بحبّ وعطف وبكلّ اعتزاز وفخر..فهي منبع الحياة وأصلها :

” سأفرّ منك إليّ يا عدن،
سأفرّ منك إلى حنايايَ
لا تعرفين عداوة، لكنّهم يتعاونون عليك،
عدوّة للذلّ أنت.
محراب عاشقة تغيظ الأمكنة،
ويغار منك البحر، والليل والسماوات
الموت في عدن…سيبعث الحياة”

كم كرّر الشاعر اسم عدن من مرّة ..لا أذكر..لكنّني أحدس أنّها آخر لفظة سيقولها قبل الشهادتين ..إنّها أمّه وصديقته وسكنه وملجأه ..، تعالوا لنتّبعه قليلا في عشقه لعدن:
” لا تؤمن الحرب على نفسها
إلاّ إذا أسلمت روحها في عدن
*****
رسمت عدن الحرّة الوشم فوق جبين الحياة
******
فاستيقظت عدن
الله يا عدن…
******
وحدها عدن
ترتيلة في سماء المدن..”
هل قدر الشاعر الغناء ؟
حتّى يعاني الغربة والمرارة ..ويتابع نشرات الأنباء مذهولا وخائفا على الأحبّة والأصدقاء، ألا بدّ من شجن لنغني؟ ، هذا سؤال لي طرحته على نفسي منذ عقود ..، ويبدو أنّ مبارك سالمين له الردّ الحاسم ..، إذ أنّه يصدح بالحنين والحبّ لبلده الموجوع مثله ..ويحضنه رغم المسافة الفاصلة بينهما ورغم حثالة الوقت التي تقف بينهما ..، فلا شيء يقدر أن يفرّق بين الولد وأمّه إلاّ العدم…وهما حيّان كالشعر أبدا……..

” هل لنا أن نغنّي؟؟؟
وهذا الصباح جريح، لا يحبّ الغناء، ويلهث كالريح خلف الرماد…،
كأنّي بصنعاء والرمح بارد،
ممدّدة مثل هذا الصباح الغبي…
هل لنا أن نغنّي صنعاء تلك التي في الشبابيك ؟…”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock