قصة حب السلطان العُماني المحفورة في ذاكرة التاريخ الياباني

أثير – تاريخ عُمان
إعداد: نصر البوسعيدي

حينما مات السلطان فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي نتيجة تأثره بمرض سرطان الكبد، انتقل حكم عُمان مباشرة لابنه السلطان تيمور الذي كان بعمر الـ27 عاما.

 

كانت الأوضاع الداخلية لعمان سيئة للغاية نتيجة الصراع على السلطة بين السلطان ومناصري الإمامة وهو أحد أسباب ضعف عمان وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد حينها.

 

 

وفي عام 1915م حدثت معركة كبيرة في مسقط بين الجانبين انتهت لصالح السلطان تيمور بوجود دعم حلفائه الإنجليز وذلك للمصالح المشتركة القديمة التي تجمع البلدين بمعاهدات واتفاقيات منذ بدايات القرن 18م.

 

 

وبعد صراع داخلي مرير اتفق أطراف الصراع على توقيع معاهدة السيب في عام 1920م، التي اقتضت بتقسيم عمان بين سلطة السلطان وسلطة الإمام، ليعيد التاريخ نفسه في قضية تقسيم الإمبراطورية العمانية قبل هذا التاريخ بسنوات.

 

 

انقسمت عمان بين أطراف الصراع ليواجه السلطان تيمور صعوبات مالية كبيرة وصراعات لا تنتهي، حتى ضاق به الحال وقرر السفر إلى الهند أولا للعلاج والاسترخاء بعيدًا عن ذلك الصراع المحزن في بلاده فترك السلطة متنازلا عنها لابنه السلطان سعيد بن تيمور الذي حاول جاهدا أن يقنع والده بعدم التنازل، لكن السلطان تيمور وصل إلى قناعة لا رجعة فيها بتنازله عن حكم عمان لابنه عام 1932م.

 

 

هاجر السلطان تيمور بعدها إلى اليابان وأقام في مدينة (كوبي) عام 1936م، وقد قال السلطان تيمور عن ذلك لصحيفة (ميتسوكو شيمومورا) وقت وصوله:

“لقد أصبحت مهووسا باليابان منذ أن جاءني صديق من اليابان إلى مسقط، وحكى لي قصة شغلت روحي وفكري، فكانت لدي رغبة عارمة في زيارة اليابان”.

 

 

وهناك في المدينة لمح السلطان فتاة تُدعى (كيوكو أوياما  ليدخل معها في حوار اتسم بالود عن أمور كثيرة لا دخل للسياسة فيها، وقد أعجب بذكاء الفتاة وثقافتها ليصبح هذا الحوار هو بداية ميول السلطان تيمور بشكل جاد للتقرب من الفتاة اليابانية والتعرف عليها وعلى عائلتها عن قرب بعدما قرر قراره النهائي بالإقامة طويلا في اليابان والزواج منها وخاصة حينما سافر لعمان للمرة الأخيرة وقام ببعض عمليات التصفية المتعلقة بأملاكه الخاصة ليعود مرة أخرى لليابان فتم عقد القران في نفس العام بتاريخ 5 مايو ليصبح هذا السيد العربي وقصة محبته للفتاة اليابانية التي تزوجها حديث الساعة في اليابان ، فكتبت العديد من الصحف عن هذا الحدث متناولة بعض تفاصيل الحكاية بين السلطان وهذه الشابة اليابانية حيث عنونت صحيفة (أوساكا ماينيتشي شيمبون) اليابانية خبرها على سبيل المثال كالتالي.

“قائد أسرة عربية قوية يعود إلى حضن محبوبته من مدينة كوبي الساحلية”

وكتبت عن هذا الخبر قائلة بتصرف:

“الشيخ تيمور بن فيصل بن تركي آل سعيد الملياردير الذي ينتمي إلى أسرة قوية في عُمان بالجزيرة العربية، تعرف على سيدة يابانية شابة خلال جولته السياحية حول العالم، وبسبب حبه المستعر كحرارة الرمال الحارقة، اتخذ الشيخ قرارا بأن يعيش بصورة دائمة في اليابان، وقد حظيت قصة الحب الرومانسية الدولية هذه باهتمام كثير من الناس في كوبي الساحلية.

لقد أخبر الشيخ (كيوكو) وهي تبلغ من العمر عشرين سنة أنه سيسافر، لكنه قطع عهدا على نفسه أن يعود إلى اليابان حاملا معه جميع حقائبه وأمتعته، وقد عاد الشيخ إلى مدينة (كوبي) على متن الباخرة الألمانية ( شارنهورست) برفقة خادمه بشير البالغ من العمر 24عاما.
لقد كانت البداية حينما زار الشيخ اليابان لمشاهدة المعالم السياحية فيها في شهر مارس السابق ، التقى بـ ( كيوكو ) ابنة السيد (كانجي أوياما) الذي يعيش في العنوان ( 2،أوجي – تشو – ناداكو – مدينة كوبي)، وقع الشيخ في غرام الفتاة ودفعه ذلك إلى زيارة بلده زيارة قصيرة ثم العودة مجددا إلى اليابان، بعدما باع أثاث منزله وجميع ممتلكاته في عُمان لأحد أفراد أسرته العربية القوية، بعد ذلك أعلن صراحة لأسرته عن رغبته في العيش بصورة دائمة في اليابان، وخلال فترة سفره كانت ( كيوكو) ترسل له رسائل حب يساعدها على كتابتها مدرس اللغة الإنجليزية، وكانت تتلقى منه العديد من الرسائل المفعمة بالحب في كل مرة تصل فيها سفينة إلى (كوبي).

 

وفي صباح اليوم السابع استقبلته ( كيوكو) مع والدتها وأقاربها في الرصيف رقم 4 ثم ذهبوا معا إلى منزل جديد أنيق على طراز غربي منحدر في ( ناكوتشو) بمنطقة ( فوكايي – كو)، وقد كان ذلك المنزل هو عش الزوجية للشيخ و(كيوكو)، وبدأ المنزل وكأنه بيت رومانسي ممتلئ بالأمتعة الفاخرة الكبيرة المتراكمة في الطابق السفلي، ويقال بأن الشيخ وعد زوجته (كيوكو) أن يبني لها منزلا جديدا بتكلفة 20000 ين، الأمر الذي أثار فضول سكان المدينة الساحلية”.

 

 

وعطفا على ما مضى فقد كانت الصحافة اليابانية مثلما أسلفت تكتب بشغف عن تفاصيل زواج هذا السلطان العماني العربي بتلك الشابة اليابانية والأماكن التي تجمعهما سويا.

 

وللافت للجميع أن السلطان تيمور حينما انتقل مع زوجته لمنزلهما الجديد باليابان قاما سويا بوضع نصب تذكاري في فناء المنزل يخلدون فيه قصة محبتهم فكتبوا في هذا النصب الذي تبلغ مساحته 100متر مربع العبارة التالية:
“حبنا خالدٌ أبدي ..اخترنا هذا المكان منزلا دائما لنا”

وختمها السلطان تيمور بآيات منتقاة من القرآن الكريم.

 

لقد عاش السلطان تيمور وزوجته (كيوكو) أسعد أيام حياتهما في اليابان، وقد رزقهم الله بابنة سمّوها (بثينة)، وكانت حياتهم مفعمة بالفرح الذي لم يفارقهما طوال فترة زواجهما، لكن القدر قد كتب بألا تستمر هذه السعادة كثيرا، فقد أصاب الشابة (كيوكو) مرض السل القاتل آنذاك في اليابان، وحاول السلطان جاهدا إنقاذ زوجته بعدما وفر لها كل سبل الراحة والحياة المترفة، فأخذها إلى أفضل المستشفيات ووفر لها أفضل الأطباء لمساعدتها في العلاج، وفي المقابل كانت زوجته (كيوكو) تقاوم المرض بكل قوتها لتستطيع الصمود والاستمرار في الحياة وهي ترى طفلتها أمامها وقد كتبت في مذكرات لها قبل وفاتها بفترة قصيرة كالتالي:

“أريد أن أعيش من أجل بثينة … لن أخسر المعركة ضد هذا المرض … لا بد أن أتغلب عليه … بحق صغيرتي الجميلة بثينة أتمنى أن يقف الله بجانبي … فأنا لا أستطيع الاقتراب من ابنتي ولا يوجد أكثر بؤسا من هذا … عندما أمسكها لا أستطيع أن ألمس حتى يديها … يقتلني الأسى عندما أفكر مرارا وتكرارا ماذا كنت سأفعل معها لو لم أكن مصابة بهذا المرض ؟!”.

 

 

بهذه الكلمات الحزينة غادرت (كيوكو) حياتها تاركة خلفها طفلة يتيمة وسلطانا مثقلا بالحزن لفراق زوجته الشابة وهي بعمر الـ 23 عاما فقط في نوفمبر عام 1939م.

 

لقد كان الحزن مخيمًا على الجميع وقد قرر السلطان بعدها مغادرة اليابان نهائيًا تاركا فيها ذكرياته الخالدة وضريح زوجته وكل الأماكن التي جمعتهما سويا ليصبح كل ذلك شاهدا على كل الحكاية.

 

 

الجدير بالذكر أن السلطان تيمور أرسل ابنته (بثنية) إلى عمان لتصبح في عهدة زوجته الأولى وبين أخويها السلطان سعيد وصاحب السمو السيد طارق وبقية أفراد عائلتها من آل سعيد، أما السلطان تيمور ففضل بعد ذلك الإقامة في الهند حتى وفاته -رحمه الله- عام 1963م.

 

*******************************

المرجع : عُمان واليابان، تأليف: هارو إندو، ترجمة : مجدي حاج إبراهيم، الطبعة الأولى 2018م، الناشر : ذاكرة عُمان، سلطنة عُمان – مسقط.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock