د.رجب العويسي يكتب: من المسؤول عن زيادة العبء الأسري في متابعة طلبة الصفوف 1-6؟

د. رجب بن علي العويسي
رجب العويسي
خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

ينطلق تناولنا للموضوع من جملة من المعطيات، أولها رؤية التقنين التي ننادي به ويجب أن تطال الواجبات المنزلية والتشريعات والإجراءات والمعايير التي ينبغي التزامها من قبل الممارسين، وثانيهما الواقع الذي تعيشه معظم الأسر التي لديها طلبة في الصفوف (1-6) في المدارس الحكومية والخاصة على حد سواء وما تعيشه من حالة غير عادية تبدأ فور قدوم الطالب من المدرسة بساعتين وتستمر المعاناة حتى الساعة التاسعة ليلا أو أكثر، تكرس فيه الأمهات جل وقتها لابن أو اثنين ضمن هذه الفئة الدراسية مع ترك المتطلبات الحياتية الأخرى في أكثر الأحوال أو ما يحصل من توجيه طلبة هذه المرحلة إلى الدروس الخصوصية سواء بالتعاقد مع معلمة لإعطاء الدرس في المنزل أو إرسال الطالب إلى منزل المعلمة – وفي كلا الحالتين تستهلك الأسرة من وقتها وجهدها ومالها ما يضع خطوط حمراء تحت القضية لاتخاذ آليات عمل لتدارك الأمر من قبل القائمين على التعليم وفهم المسببات لها في الواقع التعليمي.

على أن خيوط المشكلة تبدأ من تعدد الواجبات المنزلية اليومية التي يطلب من الطفل تأديتها في مواد مختلفة وأنشطة متراكمة وصفحات في المنهج مبهمة في أحيان كثيرة، بحيث يطلب من الأسرة مساعدة الطالب فيها – حتى حفظت الأمهات الكتب وكأنهن من يتعلمن وليس الأبناء- ، في الوقت الذي تستشري فيه حالة ضعف الاستجابة التي تظهر على الطفل وهو يؤدي بعض هذه الواجبات دون فهم لها او استيعاب لنمط التدريس المقدم له، وكأنك تشعر بأن وقته الدراسي الذي يبدأ من الساعة السادسة صباحا وقت تجهزه للمدرسة ولحين عودته منها في الساعة الثانية ظهرا لم تصنع فارقا في مساره الدراسي، فقدرته على فك الرموز أو استيعاب الأحرف أو تمييز الحروف واشكالها وكتابتها والفصل بين الأرقام المتجانسة ما زالت في أدنى مستوياتها بما يلقي على الأسرة حجما مضاعفا من العمل ما بعد المدرسة، وبالتالي ما يطرحه من نقاشات واستفسارات لدى الأسر واولياء الأمور، هل أصبح الواجب المنزلي المكلف به الطفل حالة تعليمية فاعلة؟، وماذا يفعل الطفل في المدرسة إن كان الهدف أن يأخذ واجباته إلى المنزل ليلقي على كاهل اسرته مسؤولية حل الواجبات المنزلية له- وهو الواقع- أو تبسيط عملية تعلم ما تعلمه له بصورة أخرى- إذ حجم الجهد المبذول للطفل في المنزل أصبح يفوق ما سواه، فهل أرادت المدارس أن تضع الاسرة البديل الاستراتيجي لتدريس الأبناء، وإن كان كذلك فما الضمانات التي يمكن أن تقدم للأسرة بأن تعليمها سيحقق هدف التعلم الصفي المنهجي المعزز بأليات تقييم وتشخيص وأنشطة مقننة أخرى؟

وعليه فمع توقع جاهزية الردود حول ما طرحناه في تساؤلنا من الممارسين للتعليم – الذين نقدر لهم كل جهد، ونفاخر بهم في كل محف، ونشّد على أيديهم في كل توجه، ونثّمن عطاءهم في كل وقت وحين- بأن من بين المسببات التي باتت تبرز هذه الممارسة في واقع الأسر، إنما يتعلق بتعدد المناهج وزيادة كثافة الطلبة في أكثر الصفوف لتصل إلى أكثر من ثلاثين طالبا وطالبة، بالإضافة إلى تنوع المدركات الفكرية والتعليمية للطلبة، وصعوبة امتلاك القائم على التدريس للوقت المحدد للحصة لمنح كل طالب دقيقة واحدة أو انتظار الإجابة من طلبة تستدعي استجابتهم لها أكثر من دقيقة، أو ما يتعلق بكثافة المنهج وضرورة الانتهاء منه وفق الخطة الدراسية المعدة، أو أن الاختبارات القصيرة والفترية تستدعي انجاز دروس أكثر في تدريس وحدات المنهج وموضوعاته، الى غيرها من المسببات التي باتت تطرح كجزء من الإجابة عن التساؤل المطروح، إلا أنها لا تعطي مبررا بأي حال من الأحوال أن تصبح الممارسة التعليمية عبئا أُسريا إن كنّا ننشد عمق الشراكة وتقوية رصيد التفاعل بين الاسرة والمنزل .

وبالتالي ما يعنيه ذلك من تحولات يجب أن تطال السياسات التعليمية الموجهة للحلقة الأولى والصفين الخامس والسادس من التعليم الأساسي، تقوم على جملة من الموجهات تتعلق الأولى، بمراجعة طريقة تدريس للأطفال في هذه الصفوف بشكل خاص، والآليات الفاعلة التي تتواءم مع النمو العقلي والجسدي للطفل ، مراعية في ذلك معطيات أخرى كتعدد المناهج الدراسية وحجم المادة التدريسية وفلسفة المناهج ذاتها، وحس الدافعية والابتكارية التي يولّدها نمط التدريس في الطفل ذاته، عبر نقل مستوى تعلمه للواقع في الرصيد المعرفي والمهاراتي والعادات الدراسية التي يكتسبها من تعلمه، والبحث عن استراتيجيات تعلم تركز على بناء تحول ذاتي في سلوك المتعلم نحو مفهوم تعلمه والغاية منه، وكيف يصبح تعلمه ممارسة حياتية ورغبة ذاتية جمالية محببة إلى ذاته مستساغة في قلبه متناغمة مع حبه للعب والحركة والنشاط غير متعارضة معها وهو ما يعني نقله من حالة التلقين والجدية المجردة المفرطة التي تقرأ التعليم في كلمات وسطور ومعلومات مجردة، إلى كونها مفردات حياتية يحتاجها الطفل في تعامله مع واقعه الطفولي فيتفاعل مع ترانيمها بكل عفوية في حواراته ونقاشاته واسئلته وتفكيره وحديثه عن المدرسة والمعلم ووصفه للتجارب والمواقف ونباهته في الحديث عن عالمه الطفولي الواسع. وأما الثانية، فتتعلق بتفعيل دور الممارسين وتمكينهم من القضاء على هذه الإشكاليات عبر تعزيز المرونة في الصلاحيات والتنسيق فيما بينهم بشأن الواجبات المنزلية بحيث لا يزيد عن واجب واحد على ألأكثر، والاختيار الواعي لنمط التدريس وفق أدوات تشخيص تحدد طرق التدريس التي يحتاجها الطلبة، ونظرا لخصوصية هذه المرحلة وتنوع الاجازات المرتبطة بطبيعة الكادر القائم على تدريس المراحل الأولى من الصفوف 1-4، تأتي أهمية تبني اطر وطنية في الإسراع في تعدد الكادر التدريسي المساند للمعلم واستقطاب الكفاءات المخضرمة في هذه الصفوف عبر امتلاكها مهارات ذات صبغة أبوية قادرة على احتواء الطالب وحسن التعامل معه.

أما النقطة الثالثة فترتبط بإعادة النظر في أهداف هذه المرحلة دراسية بشكل تقترب فيه من أفهام المتعلمين ومدركاتهم الحسية والعقلية والعاطفية والاجتماعية، وتبني أهداف إجرائية ومعيارية دقيقة ومؤشرات تقيس قدرة الطلبة فيها على استيعاب المحتوى التعليمي قلبا وقالبا، فكرا ومنهجا، وبالتالي تبني أدوات قياس مستوى الوصول إلى هذا السقف من التوقعات، وتصنيف الطلبة حسب مستويات متعددة، تتخذ فيها الممارسة التعليمية منهج التدرج والسيناريوهات البديلة لحفز الانتقال من مستوى إلى آخر، بحيث يستطيع الطالب الوصول بتعلمه إلى مستويات عليا تتحقق فيها المهارات المطلوبة، وهو ما لم يزل غير مدرك في الممارسة التعليمية الحالية، إذ أن الفجوة ما زالت حاضرة لدى طلبة الصف الخامس المنتقلين من صفوف التعليم الأساسي بالحلقة الأولى ، مما يعني أهمية التركيز على أولوية هذه المرحلة وإيجاد تمازج بين نهاية كل مرحلة مع بداية مرحلة أخرى بالشكل الذي يضمن تقليل التباينات الحاصلة.

وفي زاوية رابعة فإن الهيكلية التنظيمية ينبغي أن تتجه للصفوف الأولى في التعليم باعتبارها أهم المراحل الدراسية وأخطرها على الاطلاق وهي ما تستحق المزيد من التأطير لها في كل مسارات العمل ، بما يعني أن على مؤسسات الاعداد والتدريب أن تتبنى برامج تخصصية لمن يتوقع التحاقهم بهذه الحلقة عبر تضمن قدرة الممارسين على التكيف من طبيعة هذه المرحلة مراعية النمو الفكري والبدني والذهني والوجداني لهذه المرحلة، إن من شأن تبني سياسة وطنية تصنع من عمل الممارسين في هذه الحلقة علامة فارقة عبر أدوات تشخيص وتصحيح ومراجعة وتقييم وتوفير مقاييس للقدرات وإنتاج الشخصية وصقل المواهب سوف يضمن تحقق الرصانة العلمية لهذه المخرجات وتقليل فاقد العمليات المتكررة وعمليات الهدر التعليمي الناتجة عن قلة استيعاب الطلبة للكثير من مفردات المناهج والمفاهيم المستخدمة في عملية التدريس.

وعليه فإن الرهان لمعالجة مستدامة لهذه الممارسات يقع على ما يمكن أن تصنعه السياسة التعليمية من توازنات في هذا الشأن تأخذ في الاعتبار كل المتغيرات والمسببات والمؤثرات لبناء قرار تربوي يستوعب طبيعة هذه المرحلة ويوفر الممكّانات النفسية والاجتماعية والترويحية والابتكارية التي سوف تمنح التعلم حضورا أقوى في حياة طلبة الصفوف 1-6 ، لتشكل مددا لهم في حياتهم الدراسية، فهل سيتبنى مجلس التعليم الموقر قرارات استراتيجية قادمة في هذا الشأن عبر توجيه المؤسسات المعنية بهذه الصفوف إلى سياسات تعليمية أكثر اتزانا قائمة على التقنين والتشخيص الدقيق بما يحفظ حق الأبناء في تعلم ذي جودة يهذّب عواطفهم ويرقى بدوافهم ويصنع في تعليمهم الالهام؟

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock