السلطان قابوس وتاريخ مناصرته للشعب الفلسطيني ضد الصهاينة

أثير – تاريخ عمان

إعداد: نصر البوسعيدي

كانت عُمان ولا تزال في مختلف عصورها تقف دومًا مواقف مشرفة ضد المعتدين في أقطار شتى وبخاصة إن تم طلب المساعدة والوقفات منها ومن قيادتها، فلن ينسى أحد ذلك اليوم الذي أنجد فيه الإمام الصلت بن مالك الخروصي أهل سقطرة من غدر الأحباش أو النصارى مثلما يدوّن التاريخ حينما استنجدته نساء الجزيرة برسالة فاطمة الزهراء التي بعثتها للإمام تشكو حال ما أصبحوا عليه، ليبعث الإمام الصلت بعدها مباشرة جيوشه وأساطيله التي حررت سقطرة وأرجعت الحقوق لأهلها وصانت عرض نسائها.

وهكذا يستمر التاريخ العماني يضرب لنا أروع الأمثلة في ذلك؛ فالإمام ناصر بن مرشد حينما اختصم أهل الجزائر فيما بينهم ووصلته تلك الأخبار بعث لهم برسالة يشرح فيها ألمه وألم أهل عمان لما يحدث هناك ناصحا أهل الجزائر بالسلام فيما بينهم وترك الشقاق وتلك الخلافات التي تسببت بهدر الدماء، بالإضافة إلى مقدرة دولة اليعاربة بأئمتها على نجدة الهند وأفريقيا وقبله الخليج كله من الغزو البرتغالي الغاشم.

وفي عهد دولة البوسعيد استنجدت البصرة بالإمام أحمد بن سعيد المؤسس ليخلصهم من الغزو الفارسي كون عُمان تمثل القوة الضاربة في المنطقة بأساطيلها التي عرفها التاريخ، فوجه الإمام ابنه لقيادة جيشه العماني متوجها للبصرة ليكسر فيها شوكة الفرس وينجد أهلها منهم، وتمكن من ذلك وتم له ما أراد لتعود البصرة لأهلها سالمة من الأذى الفارسي بعدما استطاع الجيش العماني حصارهم وهزيمتهم حتى جلائهم من المنطقة.

ولا شك بأن العصر الحديث شهد وللأسف تآمر الدول الاستعمارية وبالأخص بريطانيا وأمريكا لتمهيد الصهاينة وتشجيعهم على احتلال الأراضي الفلسطينية، فكانت المأساة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني حتى يومنا هذا نتيجة الاعتداءات الإسرائلية، مع تهجير آلاف الفلسطينين من أرضهم بعد قتل آلاف الشهداء وهدم آلاف المنازل والأراضي دون رحمة في ظل ضعف عربي عام في نصرة القضية الفلسطينية.

ويشهد التاريخ بأن أهل عُمان في شرق أفريقيا كانوا من أكثر الداعمين للقضية الفلسطينية حتى أن الهجوم الدموي على العمانيين بالغزو التنغانيقي في عام 1964م والذي راح فيه آلاف الضحايا من العمانيين والعرب وأهل زنجبار كان بدعم صهيوني نكاية في الدعم العُماني للقضية الفلسطينية وبالأخص حينما أعلن رئيس وزراء الحكومة الزنجبارية محمد شامتي عام 1963م في يوم الاستقلال معارضة حكومة زنجبار للكيان الصهيوني وجرائمه في فلسطين.

ومنذ فجر نهضة عُمان وصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، يُناصر بكل قوة في كل خطاباته لشعبه حق العرب جميعًا في صد العدوان الصهيوني الممنهج ويذكّر أهل عمان وكل الأجيال المتعاقبة بالقضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في الحياة الكريمة حتى وهو يحتفل في السلطنة بالأعياد الوطنية التي ترمز لميلاده وكأنه يخبرنا دومًا بأن الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة حاضرة في كل المناسبات التي يستطيع من خلالها أن يرسخ القضية أكثر في قلوب العمانيين حيث قال في خطابه بمناسبة العيد الوطني عام 1973م :

” إننا نقف ضد العدوان الصهيوني ونؤيد الحق العربي في استعادة جميع الأراضي العربية التي اغتصبها العدو بالقوة والغدر والإرهاب وسنبقى دائما مؤيدين للحق العربي وندعمه بالدم والمال ونسانده بكل طاقتنا حتى يعود الحق إلى نصابه وترتفع أعلام النصر”.

وظل صاحب الجلالة في كل مناسبة يخرج فيها لشعبه يصرّح بدعم الحق الفلسطيني ويدعم كل محاولات السلام التي كان يعمل بها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حيث قال جلالته في هذا الصدد خلال العيد الوطني في عام 1985م:

“إننا نساند التحرك الأردني الفلسطيني وكل تحرك عربي ودولي يسعى للسلام”.

وفي العيد الوطني عام 1988م شدد جلالته على ضرورة دعم السلام ووضع حد للمعاناة التي يرزح تحتها الشعب الفلسطيني في ظل هذا الاحتلال دون التوصل لاتفاقية سلام بين الطرفين مشيدًا بجهود الرئيس ياسر عرفات في ذلك.

ودعا في الوقت نفسه:

إلى ضرورة التوصل لحل دائم وعادل للقضية الفلسطينية يرفع عن كاهل الشعب الفلسطيني يد الاحتلال وكل ألوان الظلم والمعاناة ويعيد إليه حقوقه الوطنية في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

وقال في مناسبة أخرى عن القضية الفلسطينية :

” إننا نؤكد عزمنا على تكثيف مساعينا المخلصة لخدمة القضايا العربية ومناصرة الشعب الفلسطيني الشقيق في كفاحه الباسل لاستعادة حقوقه المشروعة”.

لقد كان جلالة السلطان مناصرًا دوما لكل عمليات السلام التي ترسخ الأمان والاستقرار للشعوب في المنطقة وخاصة ما يبادر بها الجانب الفلسطيني اتجاه قضيته أمام اعتداءات آلة الاحتلال الصهيوني الغاشم، وهذا ما أكده جلالته في العيد الوطني عام 1991م حينما قال في خطابه لشعبه :

” لقد دعونا باستمرار إلى تسوية قضية الشرق الأوسط بالشكل الذي يحقق السلام الشامل والعادل لجميع الأطراف، ومن هذا المنطلق فإننا نرحب بمؤتمر السلام الذي افتتح بمدريد لمعالجة هذه القضية ونعده خطوة هامة من شأنها تعزيز الأمن وترسيخ الاستقرار في هذه المنطقة المضطربة، وتهيئة حياة أفضل لشعوبها وعلى الأخص الشعب الفلسطيني الشقيق الذي عانى من الاحتلال خلال نصف قرن مضى، ونرجو أن يتمكن هذا المؤتمر من تحقيق الأهداف المتوخاة من عقده ويتوصل إلى إقامة السلام الدائم والعادل لدول المنطقة ويعيد إلى الشعب الفلسطيني المناضل حقوقه المشروعة ويضمن له العيش الكريم على أرض وطنه وتكريس طاقاته لإعادة بنائه وتعميره وتنميته وتطويره”.

وفي عام 1992م وتحديدا في الاحتفال بالعيد الوطني الثاني والعشرين المجيد كان جلالته يدعو مرة أخرى إلى ضرور إنهاء مأساة الشعب الفلسطيني والأمل بالنتائج الإيجابية لما تسفر عنه محادثات السلام حول قضية الشرق الأوسط ، حيث قال :

” ندعو إلى تحرك عاجل وسريع من أجل رفع المعاناة اليومية عن الشعب الفلسطيني المناضل الذي يرزح تحت نار الاحتلال”.

واستمر جلالته يذكّر الشعب العماني وكل الشعوب العربية في كل مناسبة وطنية بالحق الفلسطيني ورحب بتقدم المفاوضات من أجل السلام في مؤتمر مدريد بشكل يتوافق مع ما تطمح له السلطة الفلسطينية لتهدئة الأوضاع بين الجانبين وقال :

” لقد رحبنا بالاتفاق الذي تم في هذا الشأن ونحن نتطلع إلى إحلال سلام شامل وعادل بين العرب وإسرائيل”.

وفي العيد الوطني الثامن والعشرين أشار جلالته إلى أن مؤتمر مدريد كان إيجابيًا وأن إسرائيل مطالبة أكثر من أي وقت مضى باتخاذ خطوات على المسارين السوري واللبناني لتحقيق الانسحاب الشامل من الجولان والجنوب اللبناني.

وقال عن معنى السلام الذي يدعو له :

” السلام الذي نؤمن به ليس سلام الضعفاء الذين لا يقدرون على رد العدوان، إنما سلام الأقوياء الذين يعدون للأمر عدته”.

وفي العيد الوطني التاسع والعشرين كرر جلالته دعوته لمناصرة الحق الفلسطيني وقال بأن السلطنة تؤكد الوقوف الدائم والحازم مع القضايا العادلة وفي طليعتها قضية الشعب الفلسطيني الذي يعمل من أجل استرداد حقوقه وإقامة دولته المستقلة”.

وشدد جلالته في افتتاحية الدورة الثانية لمجلس عمان في عام 2000م على أن الشعب الفلسطيني له كل الأحقية في إقامة دولته والقدس عاصمتها وقال:

” إننا نقف بكل حزم إلى جانب الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على تراب وطنه وعاصمتها القدس الشريف”.

وفي عام 2004م ، صرح جلالته لجريدة الشرق الأوسط وكذلك في مجلس عمان عن مطالبته الضرورية لرفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني وإتاحة الفرصة له في مساعيه لإقامة دولته المستقلة.

واستمر جلالته إلى يومنا هذا في دعم القضية الفلسطينية بكل ما يستطيع، فلم تمر مناسبة وطنية منذ عام 1970م إلا وتجده مذكرا شعبه وكل العالم بحق الشعب الفلسطيني في أرضه ويُندد بالاعتداءات الإسرائلية، كما كان لجلالة السلطان دور كبير وخفي في دعم الأوضاع الحياتية لأهل فلسطين دون الكشف عنها كعادة جلالته في ذلك، وأغلب المعلومات التي تتحدث عن هذا الأمر مستقاة من الشعب الفلسطيني نفسه.

ولا ننسى أن موقف السلطنة كان حازمًا في تأكيد أن القدس هي عاصمة فلسطين الأبدية، فحينما أعلن الرئيس الأمريكي ترامب بمراهقته السياسية في المنطقة بأنه يعترف بأن القدس عاصمة لإسرائيل وأنه سينقل سفارته إلى القدس دعما للاحتلال الإسرائيلي، زار القدس بعد فترة وجيزة من ذلك الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية معالي يوسف بن علوي؛ تأكيدًا على مكانتها في قلوب العرب والمسلمين وتأكيدًا على أنها عاصمة فلسطين.

ويخبرني أحد المسؤولين بفلسطين أن معالي يوسف بن علوي حينما أراد دخول المسجد الأقصى، رفض الدخول من البوابات التي يخصصها الاحتلال لكبار المسؤولين، وفضل الدخول إلى الباب الذي يدخل منه كل الفلسطينين الذين يتعرضون للتفتيش الجبري في كل يوم وهو يحمل معه اللبان العُماني كرمزية عُمانية تنثر شذا بخورها في المسجد الأقصى.

إن الشعب العماني كقيادته –تاريخيًا- لن يتوانى لحظة في نصرة فلسطين وقضايا السلام التي تعود للعالم أجمع بكل خير.

*******************************

المرجع :

– سلطنة وسلطان أمة قائد قابوس بن سعيد، سلطان الحطاب، الطبعة الأولى2014م، الطبعة الأولى – دار العروبة للدراسات والنشر.

– زنجبار شخصيات وأحداث: 1828م ـــ 1972م، ناصر بن عبدالله الريامي، الطبعة الثالثة – مؤسسة بيت الغشام – سلطنة عُمان.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock