د. عبدالله باحجاج يكتب: هم بشر مثلنا، لكن الخيرية بين جوانحهم غالبة ..قراءة في الدافعية العميقة لهذا النوع من البشرية في بلادنا

أثير- د. عبدالله باحجاج

عندما نتأمل في خارطة الأعمال الخيرية في بلادنا ، ونحاول استكشاف النوعية البشرية التي تقف وراءها – على اعتبار أن هناك تقسيمات نوعية للبشر – لنرى سر نجاحها ، وكيف تمكنت من تأسيس مظلات خيرية لخدمة أبعاد اجتماعية وإنسانية ، في وقت يتفرج فيه الكثير من البشرية على معاناة سقوط فرد أو منظومة أسرية في براثن الفقر أو المرض العضال .

هل ينبغي أن يتساوى هذان النوعان من البشر ؟ الذي يهمنا هنا كثيرًا هو نوعية محددة من البشر ، كرست نفسها لخدمة أخيها الإنسان دون مقابل مالي أو سمعة اجتماعية أو منصب حكومي .. لا تظهر على السطح حتى نقول بأنها تتطلع للشهرة ، ولا تمل أو تيأس أو تحبط ولا تتراجع عن مسيرتها الخيرية المباركة ، ولا تعرف فيها المد ولا الجزر ، مهما كانت الأشواك التي تعترض طريقها ، ومهما خذلها السلبيون ؟

من هؤلاء أصحاب الأنفس الطويلة والإرادة المستدامة ، والهمم السماوية العالية حاولنا الاقتراب من بعضهم قليلا بعد أن أبهرونا بصمودهم في العمل الخيري الإنساني ، فوجدناهم بشرًا مثلنا ، لكن الخيرية بين جوانحهم طاغية – في قلوبهم وأعماقهم وكل جوارحهم – ربما تكون منذ ولادتهم ، بل وحتى قبلها ، وقد أصلتها وأطرتها فيهم كسلوك ومعاملة ظروفهم الأسرية والاجتماعية ، فوراء كل فاعل اجتماعي – منهم – قصة اجتماعية خاصة به ، صنعته من أجل استحقاقات اجتماعية وإنسانية ، لذلك هم صنيعة الله جلّ في علاه ، من أجل الخيرية على الأرض ، ومن أجل الإنسانية المعذبة نتيجة الظروف الخاصة والعامة .


قد لا يدركون مكنونات أنفسهم ، وقد لا يدركون قوتهم الخيرية الإنسانية المتغلغة في مكنوناتهم التي تجري فيهم مجرى الدم ، يجدون أنفسهم منقادين لهذا العمل ، غارقين فيه دون حتى أن يطرحوا على أنفسهم هذا التساؤل المزدوج : لماذا هم دون غيرهم ؟ وكيف هم نجحوا في اعتلاء قمم الإيجابية ،وآخرون غارقون في قاع السلبية ؟ وبهم ، أصبح العمل الخيري الإنساني في بلادنا له مؤسسات متخصصة تملك موارد مالية مستقلة ، ومن مصادر اجتماعية ، لا تكلف خزينة مالا ، ولا يشغل أداؤها وقتا ، صحيح لم تكتمل هذه المؤسسات ، لكنها تمضي بخطى ثابتة ومستدامة وبرؤى واعدة .
لن نذكر أسماء ، ويا ليتنا نفعل مستقبلا عبر محتوى توثيقي ، نوثق فيها المؤسسين الأوائل واللاحقين والداعمين ، فمن مصلحة العمل الخيري في بلادنا إبراز كل فاعل يعمل فيه دون مقابل ، ويخدم من خلاله كل محتاج بصورة مجردة .

وهنا ينبغي أن ننظر للقطاع الأهلي أو المدني على أنه الشريك الثالث الواعد بعد القطاعين الحكومي والخاص ، ولن تتمكن بلادنا من الحفاظ على التوازنات الاجتماعية ما لم تعمل هذه القطاعات الثلاثة باستقلالية ومرونة ، وبمهنية عالية المستوى ،وبصورة تكاملية .

وهذا ما نلاحظه الآن في نموذجين مهمين في محافظة ظفار ، هما جمعية بهجة العمانية للأيتام وفريق الأيادي البيضاء ، وهما اللذان يدفعاننا إلى كتابة هذا المقال مجددا ، لقربنا المكاني منهما ، ولاطلاعنا على ماهية نجاحاتهم الخيرية والإنسانية داخل مجتمعنا المحلي .

وقد تناولنا نجاحاتهم في مقالات سابقة ، لكن الذي يشغلنا في هذا المقال ، الديناميات ( القوى الفاعلة ) التي تصنع النجاح المستدام دون كلل أو ملل .. فما هي طبيعة القوة الداخلية الجبارة التي تجعلها تقف دون غيرها على عمل اجتماعي إنساني دون مقابل ، وتسخر له جل وقتها وفكرها من أجله ؟ كان هذا يشغل تفكيرنا كثيرًا حتى وقفنا فجأة عند بعض الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة ، وقد تكون هناك آيات وأحاديث أخرى ، لكن اخترناها بعد أن تأكدنا من صحتها ، ودون عناء بحثي فيها ، وهي تعطينا إجابة واضحة وشفافة على تلكم التساؤلات ، سنركز منها على حديثين فقط ، هما :
الأول ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ” حديث حسن ، وهذا الحديث يكشف لنا السر العظيم الذي يقف وراء كل نجاح مستدام في العمل الخيري والإنساني ، فمن منا لا يريد أن يكون في تلك المنزلة ” أحب الناس إلى الله ” هي كبرى الغايات عند كل مسلم ، لذلك لابد أن تكون ” أنفعهم للناس ” وهل هناك من نفع أكبر من السعي وراء كفالة أسرة يتيم ، والأيتام ، أو علاج مريض من مرض عضال .. ؟
والثاني ، حديث نبوي على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم مروي أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن لله عبادا اختصهم بالنعم لمنافع العباد ، يقرهم فيها ما بذلوها ، فإذا منعوها نزعها منهم ، فحولها إلى غيرهم ” حديث حسن.
وهذا الحديث الشريف له الكثير من الدلالات والاستدلالات الكبيرة ، فهو يؤسس مصادر التمويل الدائمة والثابتة للعمل الخيري والإنساني في المجتمع ومن المجتمع ، عبر التنصيص على وجود أشخاص يملكون الأموال ، ويقع عليهم لازما إنفاقها لمنافع الناس ، وإلا سحبت منهم قهرًا لغيرهم ، وهذا مصدر تمويل دائم وثابت ، وهذه رسالة عاجلة ” لأحب الناس إلى الله ” فما عليهم سوى العمل بكل ثقة ، ثم التوكل على الله جل في علاه ، واستحضار الأجر العظيم ، فليس هناك أجل ، ولا أجمل ، ولا أروع منفعة ، من كفالة يتيم أو السعي لمصالحه ، ومصالح أرملة أو مطلقة أو علاج مريض من مرض مزمن ، لا ترتبط بهم قرابة ولا هوية سوى الإنسانية فقط .

وعندما نزلنا لتطبيق تلكم المرجعيتين الدينيتين على واقعنا – وفق النموذجين سالفي الذكر – وجدناهما يتجسدان في فاعليها ربما دون أن يشعروا بهذا النوع من التأطيرات ، لأنهم مسخرون من إرادة إلهية ، مختارون لهذا الزمان ، ولهذا المكان ، ولتلكم الخيرية العظيمة ” أحب الناس إلى الله ” وهذا ينبغي أن يعزز هممهم أكثر من السابق ، ويدفع بالآخرين إلى مناصرتهم بالقول أو العمل أو بالمزيد من المال ، تطلعًا لتلكم المنزلة الرفيعة عند الله جلّ في علاه.
وفي هذه الخيرية ، الأمن والأمان في الدنيا والآخرة ، بنص الآية الشريفة التالية : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ” البقرة 262، وهذا النص القرآني يعزز في المقابل الإنفاق ، ويحثه ، وهذه فرصة مواتية للمقتدرين من أبناء المجتمع إذا ما أرادوا الأمن والأمان ، وبهذا يتكامل المشهد الخيري والإنساني في المجتمع ، بتلكم الدوافع المحفزة عليه ، بثنائيته المتناغمة والمنسجمة – القائمين عليه والممولين له .

لذلك ، لن نخشى على دور الشريك الثالث في البلاد – القطاع الأهلي أو المدني – فلديه من العوامل والمعطيات ما تضمن ديمومة نجاحه ، وفعالية نجاعه ، بصورة أكبر من الشريكين الآخرين – القطاعين الحكومي والخاص – فقط علينا الايمان به وبدوره ، وفتح الطرق له حتى يعوض الفراغ الناجم من تحول دور الدولة إلى عصر الجبايات .
ويدلل نجاح الفاعلين في جمعية بهجة للأيتام وفريق الأيادي البيضاء على طرحنا سالف الذكر ، فالجمعية ورغم حداثة إنشائها في عام 2014 ، إلا أنها قد احتوت (481) أسرة أيتام بمجموع (1299) يتيما من كل محافظة ظفار ، بمصروفات شهرية تبلغ (ثمانين) ريالا عمانيا – في المتوسط – نقدًا ومواد عينية ، تشمل رواتب للأيتام وتموينات شهرية ومساعدات وترميم وبرامج تمكين وتأهيل وتلبية احتياجات عاجلة للأيتام في كل المجالات الضرورية .
وفعالية فاعليها تخطط لإقامة عمارة وقفية ، كمصدر تمويل دائم ، كما – تظهر في الصورة – وقد وصلت عمليات البناء فيه إلى الدور الثالث ، بما يبلغ نسبته (40%) ، ولا يزال المجال مفتوحا لجمع التبرعات لهذا المشروع الخيري الذي تتجلى فيه الصدقة الجارية في أفضل صورها وسموها ، وأحسن أهدافها النبيلة ، وقريبًا ستطلق حملة وطنية لجمع التبرعات لهذا المشروع المهم.

ونشرنا صورة أخرى لهذا المشروع الطموح لدواعي المساهمة كلٌ حسب مقدرته ، مساهمة منه في هذه الخيرية المفتوحة للكل ، والمتاحة للكل ، وليست حكرًا على أحد دون أحد، فمن لم يوفق أن يكون ضمن المؤطرين أو المسيرين لهذه الخيرية الدنيوية والأخروية ، فأبواب التبرع مفتوحة على مصاريعها ، وهذه فرصة متاحة أن يكون لكل فرد منا مساهمة في العمارة الوقفية قبل فوات الأوان .

أما فريق الأيادي البيضاء ، فهو النموذج البديع والفريد ، والمتفرد بالفكرة والتنفيذ ، والذي لم يخطر على بال سوى من غرس الله جل وعلا فيهم الخيرية الجانحة في قلوبهم وأعماقهم وكل جوارحهم ، وميز به بلادنا حصريا ، فطفت الإنسانية المجردة لذاتها من أجل ذاتها فوق سطحنا الاجتماعي كالقمر في قمم جماله ، وفي هيبة جلاله ، فارتسمت الابتسامة على من به آهات أو أوجاع نفسية أو حسية .

وهذه ليست مبالغة بل أقل من الوصف الحقيقي لها ، فهذه التجربة قد انفتحت خصيصا وحصريا لعلاج المرضى من اليمن الشقيق أو من يقاسمنا العيش المشترك في بلادنا من الأشقاء والأصدقاء بصرف النظر عن جنسياتهم أو ألوانهم أو فكرهم .. تمتد إليهم الأيادي البيضاء في مرضهم العضال التي يقفون فيها حائرين ومستسملين للموت لعجزهم المالي ، والجدول المرفق يبين لنا تعدد الجنسيات مع التركيز على حق الشقيق الجار الذين يعاني الأمرين ، مر الفقر ، ومر الحرب .

ويقف مع الأيادي البيضاء كمساهمين ماليين أكثر من ألفين من الجنسين ، وهذا العدد أدنى الطموحات ، لكنه مقبول قياس بحداثة نشأت الأيادي قبل أقل من عام ، ومع ذلك ، فقد أنفق قرابة ( مائتي ) الف ريال على حالات مرضية معقدة ، كالسرطان وعمليات القلب المفتوح .. وبعضها ديون ، وهذه أمراض تكلفتها المالية كبيرة ، لكن نتائجها باهرة، حيث تعود الفرحة بعد موتها للمريض وأسرته ، وتحافظ الأسرة على تماسكها بعد أن يكون مخاطر التفكك مصيرها .
وفي ذلكم ، تتجلى مصداقية الحديث النبوي “” أحب الناس إلى الله ، أنفعهم للناس ” فهل هناك من نفع عظيم أكثر مما تناولناه نموذجًا في تلك التجربتين ؟ آه ثم آه ما أعظم إنسانية ديننا ، والآهات تكبر وتتزايد وتتعاظم .. وتناشد الكل على توسيع دائرة الثنائية المتناغمة في المجتمع ، والكل مهيأ له ، بالجهد والفكر أو المال .
من هنا ، نتوجه للكل ، بدعم مشروع العمارة الوقفية ، فهي تحتاج الآن لمزيد من السيولة المالية ، فقد أنفق عليها حتى الآن قرابة (120 ) ألف ريال وتحتاج للكثير منه حتى تكون مصدر دخل ثابت للأيتام .
والدعوة نفسها ، نوجهها لدعم الأيادي البيضاء التي تعاني من عجز مالي يقدر بأكثر من (60) ألف ريال ، والحالات المرضية تتوافد عليها ، والناصع الأبيض لهذه الأيادي ، ليس في قاموسه مفردة ” الرفض ” لأنه يعتقد أنها ستكون بقع سوداء في نصاعته الإنسانية المطلقة ، لذلك يقبلها حتى لو أدرجها في قائمة الديون .
وأخيرا نذكر أنفسنا بهذه الآية الكريمة ” الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ، لهم أجرهم عند الله ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ” البقرة 262، فمن أراد تجنب الخوف والحزن ، فعليه بالإنفاق في مثل هذه المجالات المتاحة الآن للمجتمع .
أما أنتم أيها القادة المجهولون ، فكيفي أن أكرر ما قلته عنكم سابقا ، إنكم مُختارون من الله جل في علاه لهذا الزمان ، ولهذا المكان بشخوصه ولجواره ، والخيرية بين جوانحكم ” في قلوبكم وأعماقكم وكل جوارحكم ” فما أسعدكم ، فلن تعرفوا الخوف ولا الحزن ، فكلنا معكم داعمين .. لعل وعسى نحوم مثلكم في محيطات الخيرية ، في سماواتها العليا .. اللهم آمين ، والله المستعان .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock