د.رجب العويسي يكتب: ما دور المدرسة في استنطاق مفردة الوطن ومحاكاتها في واقع الأجيال؟

د. رجب بن علي العويسي
رجب العويسي
خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

تؤدي المدرسة دورا محوريا في منظومة بناء الانسان وصقل قدراته وترقية مساحات التأمل والتفكير لديه، وترسيخ مفردة الوطن وقيم المواطنة في سلوكه، في ظل ما تمتلكه من موجهات وما يكتسبه موقعها من أهمية مجتمعية فائقة، لذلك فإن حديث المجتمع عن دور التعليم بمؤسساته المختلفة عامة والمدرسة على وجه الخصوص، حالة صحية تُعلي من قيمة التعليم عالي الجودة كأسلوب حياة وممارسة أصيلة، ولعل الحديث عن مفردة الوطن ومنظومة التعليم ومسيرة التطور الحاصلة فيه التي بدأت من تحت الشجر، وهي اليوم تعيش تجليات الثامن عشر من نوفمبر المجيد والعيد الوطني الثامن والأربعين وقد وصلت إلى مستويات عالية من التطور كما وكيفا، مدخل استراتيجي لمؤسساته في قراءة مفردة الوطن في سلوك الأجيال وتشكيلها في شخصياتهم وتعميقها في ممارساته، ونقلها من التجربة إلى كونها ممارسة اصيلة ترتبط بقدرة المتعلم على انتاج واقعه بطريقة أكثر الهاما ونضجا، تعكسها مواقفه اليومية داخل المدرسة وخارجها.

وبالتالي يصبح تعبير المدرسة عن مفردة الوطن، محاكاة عملية للواقع تستنطق فيه المدرسة وعبر أدواتها المتعددة وفرصها المتنوعة، قيم الوطن وتجلياته في حياة المتعلمين وسلوكياتهم ومواقفهم، وتقريب صورة الوطن الأنموذج لهم في سلاسة محتواه وقوة معناه وعمق مداخله وسمو غاياته ورقي بنائه وتطور بنيانه وعظمة مشروعاته واستدامة تنميته، وحكمة السياسة العمانية الداخلية والخارجية لعمان، باعتباره المحك الذي يدور حوله فلك العمل، وتنطلق منه مسارات التحول، وتصب فيها نواتج الإنجاز، وترتقي إليه شموس العطاء، فإن قدرة المدرسة على صناعة تحول في مفردة الوطن يأتي في إطار قدرتها على بناء نماذج محاكاة للواقع العملي الذي يفترض أن يعيشه المتعلم في أحضان الوطن، والمواقف والمحطات التي يبرزها واقعه، ويصبح ما تقوم به من دور بمثابة تهيئة قبلية للمتعلم في إعداده للدور القادم الذي يستحضره وهو يؤدي مسؤولياته نحو وطنه في كل مواقع العمل وطبيعة المهام كأب وأم وخريج وموظف ومسؤول ومتخذ قرار، وتصبح جملة الأفكار والأنشطة والممارسات وثقافة التعلم داخل المدرسة وبيئة الصف الدراسي وقيم المحبة والاخاء والانتماء والمسؤولية والالتزام بالواجبات وأداء المسؤوليات المدرسية والمحافظة على نظافة المدرسة واحترام قواعد العمل ومنظومة العيش وتوظيف المهارات والقدرات وترقية الممكنات النفسية والفكرية القادرة على تحقيق التميز وترك علامة فارقة في الإنجاز وفهم معطيات الواقع وتعزيز فرص المبادرة والعمل التطوعي والمسؤولية الاجتماعية وغيرها؛ موجهات تحكي بعضا من مسؤولية المتعلم للعيش في ظلال المسؤولية والالتزام.

وعليه فإن دور المدرسة اليوم ليس تكملة لمشروع بناء الأنسان، بل جوهر البناء وركيزة لاستدامته النوعية المقرونة بدلائل الواقع وشواهده التي تنطبع على شخصيته وهويته الوطنية ، وتحدد معالم الممارسة القادمة وتضبط أي انحرافات قد تتجاوز مفهوم حب الوطن، والعمل من أجله وتقدير المنجز، إذ كلما استطاعت المدرسة تقوية ارصدة المتعلمين في ترك بصمات قادمة لهم في حياتهم المدرسية، في ظل منهجية واضحة وأدوات واليات واستراتيجيات والتزام وقياس مستمر لمستوى التقدم الحاصل في المواقف، كلما أنتج ذلك مواطنا قادرا على المساهمة الفاعلة في بناء وطنه وترقية منجزاته، ويصبح الرصيد التي يحمله المتعلم معه من المدرسة إلى الحياة الاكاديمية والمهنية والاسرية، وكفاءة هذا الرصيد ومصداقيته وثباته في توجيه الممارسة وصناعة البدائل منطلق لاستيعابه مفهوم العيش المشترك وتقدير الآخر والاعتراف به من جهة، ووعيه بالظروف والمتغيرات وتقديره لطبيعة الممارسة القادمة التي ينبغي أن تتجه به نحو مساندة الوطن والوقوف مع أولوياته والبحث عن كل ما يحقق غاياته وأهدافه، فيجتهد في تحقيقها وينشط في الوفاء باستحقاقات الوطن عليه وربط مشاعره الوطنية بقواعد سلوكية والتزامات تمشي على الأرض.

من هنا تبقى قدرة المدرسة على بناء هذه المعطيات مرتبطة بمساحة المرونة والتنوع والتمكين وتوظيف الفرص والقدوات والنماذج الإيجابية التي تصنعها وتكيفها لتعلم الطالب وتوجيه خياراته الدراسية وتمكينه من بناء مسارات تعلمه، ودعمه من أجل تبني انموذج تعلم ناجح يتناسب وقدراته واستعداداته، ويبرز ابداعاته وابتكاراته، ويتفاعل مع مبادراته ومساهماته، وهو ما يظهر عبر مشاركاته في الأنشطة المدرسية واستيعابه لفرص التعلم الناجح، وصناعة البدائل، وتقديم المقترحات الداعمة، واضافة مساحات الالهام لهم عبر تقوية فرص الدخول في مشروعات الابداع والابتكار ونمو الموهبة ونضوج الفكر المسؤول والتفكير المعتدل، وهي تستلهم من مقومات حياتهم وتحدياتها وفرصها وتهديداتها، مدخلها لقراءة مفردة الوطن وقيم المواطنة في سلوكهم ومسارات حياتهم، ومحطات استراحة لهم لتقييم موقع الوطن في منجزهم الشخصي وسيرتهم الذاتية، وإعادة انتاجه بطريقة أخرى تبرز فيها قوة الولاء والانتماء والحب للوطن، لتبقى هذه المعطيات قواسم مشتركة وتفاهمات مستمرة تعتمد عليها المدرسة في استنطاق مفردة الوطن ومحاكاتها في واقع حياة المتعلمين، فتصنع من أعياد الوطن المجيدة وأيام عمان الخالدة فرصتها في تقريب مفرداته من فقههم وثقافتهم وانطباعاتهم وقناعاتهم، ممارسة أصيلة وسلوك واع وثقافة رصينة.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock