د.باحجاج يكتب: بعد ” 48 ” عاما، عصف الفكر لمواجهة تحديات جديدة لها بُعدين داخلي وخارجي، فكيف ذلك؟

 

أثير-د.عبدالله باحجاج

 

احتفلت بلادنا بالعيد الوطني ” 48 ” المجيد ، فهذه السنوات العظام تشكل مقياسا للنجاح ، ومنهجا ثابتا لصناعته – أي النجاح – مستقبلا ، أو على الأقل البناء عليه مهما كانت الظروف والتحديات الجديدة ، على اعتبار ان عندنا الان تجربة معاصرة ـ أسست دولة ، وصنعت مجتمعا متناغما ومتضامنا ومتكافلا ، وربطت بينهما بمنظمة ولائية وانتمائية مقدسة .

 

فهل نحافظ على هذه التجربة ؟ التساؤل نطرحه من منظور ” الافتراض ” المبني على وقائع مستجدة ، انبثقت من تحويل مسار التفكير ” تماهيا ” بدول معاصرة ، أو ” تماهيا ” على الأقل بسياساتها المختلفة ، رغم أن تجربة ” 48 ” عاما لم تؤسس الدولة والمجتمع على منهج التماهي ” التقارب وتقليد الآخرين ”  وانما على أسس ومقاربات داخلية خالصة ، ومن منطلق ، ماذا نريد لدولة حديثة لها عمق تاريخي وتاريخ حضاري يغلب عليه الطابع الإنساني ” .

 

 

تجربة ” 48 ” عاما قد أسست على التفاؤل الصادق ، والتفاؤل العام ، والتفاؤل الواعد ، الذي وجد كل مواطن نفسه فيه – أي الوعد – وكأنه يخاطبه في ذاته ، هو فقط ، ولنا في الكثير من المفردات الواردة في كل خطب عاهل البلاد حفظه الله ورعاه ، ما يمكننا أن نستشهد بها على هذا النوع من التفاؤل ، مثلا ” اني اعدكم ” وكذلك ” سأعمل بأقصى ما يمكن أن تكونوا سعداء ” وكذلك ” ان عملنا معا وبإخلاص سنستعيد ماضينا ” مفردات من قائد البلاد حفظه الله الى شعبه ، لها وقع في النفس الاجتماعية العامة ، وهي في ذاتها عابرة ومخترقة للقلوب .. وكأن المرسل والمتلقي هنا ، بين رب أسرة وأسرته ، من هنا كسبنا قائدا ، وصنعنا مجتمعا، واسسنا دولة مختلفة تعيش حاضرها من نافذة مرونة وديناميكية حضارتها .فهل نحافظ على مثل هذه الدولة؟

 

 

تجربة  ” 48″ عاما ، تحتم علينا طرح بل وتكرار هذا التساؤل ، لماذا ؟ لانه من حقنا الحفاظ والدفاع عن هذه الدولة بكل مكوناتها ، الأرض ، النظام ، الشعب ، السيادة ” وبكل بناها الفوقية والتحتية ، واسسها الاستراتيجية التي كونتها ، لأننا لا نتصور دولة في بلادنا تماهي دولا تتجرد من ابعادها وروابطها الاجتماعية والتاريخية والحضارية .

 

 

ومررونا السنوي رقم (48) لتأسيس هذه الدولة ، يفتح لنا الافاق لمسار واحد فقط ، وهو تعزيز وترسيخ هذه الدولة ، واستكمال مشروعها الحضاري ، الجامع والشامل ، والموحد للأرض والشعب داخل حدودها التي رسمت من منظور استتاب الأمن والاستقرار الإقليمي ، كما يحتم هذا المرور كذلك إعادة النظر في الكثير من المسارات التي فرضتها مرحلة انهيار أسعار النفط ، واستعادة التفاؤل ، وسحبه من الذين افقدوه سحره وبريقة وتأثيره .

 

 

ولماذا الرهان على التفاؤل ؟ لأن الصورة السياسية والاقتصادية المستقبلية قد أصبحت الان أكثر وضوحا ، وأكثر اشراقا ، ولا تدعو لغير التفاؤل الصادق ، والعام والمنجز ، وهنا ، نعني ما نقوله ، ونعني ما نرمي اليه ، وقد تزامن مع كل ذلك ، قناعة راسخة مطلقة ، لن يزحزحها ولو ” قيد أنملة ” أي متشائم أو دعوة تشاؤم .. وهي ان بلادنا تخرج من كل الازمات التي مرت سابقا ، منتصرة – ولله الحمد –  بل ، وتتوفر لها من عناصر القوة الجديدة ما يجعلها تطمئن على حاضرها ومستقبلها ، لأنها أرض مباركة ، وشعبها يحظى بشهادة نبوية خالدة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم .

 

 

 

وتلكم حقيقة ساطعة قد اصبحنا ننظر اليها بعقولنا بعد ان استقرت في قلوبنا ، لكنها كانت تحتاج لتوافق الشريك العقلي ، وهو الان متوفر ، ففي خضم ازمة النفط الأخيرة ، وفي الوقت الذي رسمت أسوأ السيناريوهات ، تتفجر الخيرات الاقتصادية في بلادنا ، ابرزها ثروة جديدة وضخمة من الغاز ، تبدأ خيراتها في التدفق مع مسيرة نهضتنا المباركة في مسيرتها السنوية الجديدة .. لذلك لن نقلق ، ولذلك ، ندعو الى تغليب التفاؤل الصادق ، وليس التفاؤل الذي يطلقه البعض في الهواء ، وسرعان ما يذوب ، ويفقد بالتالي التفاؤل مصداقيته التاريخية ، لذلك ، الحاجة الكبرى تحتم الان استعادة هذا التفاؤل .

 

 

كيف ؟ سنترك للفكر يسبح في الإجابات في سماواته الوطنية ، وسنتركه يسقط على النخب التي تلاعبت به ، وفرغته من محتوياته ، لذلك ، نقول بلادنا بحاجة إلى استعادة التفاؤل فورا ، بعد أن دخلت بلادنا حالة الاطمئنان من مجموعة تحديات ، كبرى لها بعدين داخلي وخارجي .

 

فهذه الاستعادة ، نجد انفسنا من خلالها – كنخب وكحكومة – مجبرين على التفكير بصورة مختلفة لاستعادة التفاؤل من جهة حول ماذا يمكن أن نفعل في هذه المرحلة لمواجهة تحدياتها الكبرى من جهة ثانية ؟

 

التساؤل الأخير ، من الأهمية طرحه الآن ، وبلادنا تعيش فرحتها الوطنية رقم ” 48″ عاما ، فهذه الفرحة لم تكن تمجيدا فقط بما تحقق في بلادنا من منجزات شاملة في كل مناحي الحياة ، ولا الدخول في مقارنات بين وضعي ما قبل عام 1970 ، وما بعده ، ولا هدفا لإحياء الذاكرة بها على اعتبار أن هناك جيلا جديدا قد تأسس بذهنية مقارنة الخارج بالداخل من منظور ما يظهر له فوق السطح ، ربما علينا هنا إمعان التفكير في الجيل الشبابي المتأسس  عام 2000م، فالان عمره (18) عاما ، فهل ينبغي أن نأخذ ذلك بعين الاعتبار ؟

 

من هذا التساؤل المهم جدا ، يمكن القول بان استعادة التفاؤل ، يمكن احتواء هذا الجيل ، ويمكن القول كذلك ان المرحلة ببعدها الخارجي ، تجعلنا نراجع منظومة الثوابت التي أسست واطرت مجتمعنا العماني ، وبنت قوته ، وحصنته من التأثيرات الخارجية ، فما هي التي ينبغي الحفاظ عليها  ، وما هي التي ينبغي ان تتكيف مع التحولات والمتغيرات ؟

 

 

ففعلا ، نحن الآن مجبرون على التفكير حول ماذا يمكن أن نفعل لمواجهة تحديات كبرى ، ومن حقنا القلق، فلو نظرنا لعالم اليوم ، فهو قد تجاوز ديمومة الصراعات والتوترات السياسية والاقتصادية التي لم تعد في منطقة من العالم دون أخرى ، وانما كل مناطق العالم ، واللافت الخطير أنه قد تجاوزها الان الى حدوث اهتزازات مدمرة للكيانات في كل انحاء العالم – المتطور منها والنامي.

 

 

 

فما هي الثوابت الداخلية التي يجب أن لا تمس؟ بحيث إنها تشكل خطوط حمر، وتكون  الحكومة والفاعلين فيها ملزمين في الحفاظ عليها ، عبر اعمال الفكر ، وتسخير الإمكانات أو ايجادها مهما كانت التحديات، وعدم التفريط فيها ابدا ، ومنها يقاس نجاح الحكومة وفاعليها أو فشلهم، وهنا التساؤل الملح، وهو، هل نسير في هذا الاتجاه ؟ التساؤل معني به ، الفرد قبل الجماعة، والجماعة قبل الحكومة ، والحكومة أولا وأخيرا، لأنها صاحبة الفعل ” القرار ” ولأنه صاحبة الفعل ، فقد أقدمت مؤخرا على مجموعة أفعال استدراكية تصب في الحفاظ على قوة المجتمع وترابطه ومتماسكه وتوازناته القابلة للمرونة والديناميكية ، منها ما هي مسربة ومنها لا تزال في طور الكتمان، الأبرز فيها ، تراجع الحكومة عن تطبيق ضريبة القيمة المضافة التي كانت مقررة عام 2019، وكذلك إعادة النظر في الرسوم البلدية الجديدة التي كانت ستثقل كاهل المجتمع ، وكما كشف لنا مصدر رفيع في البلدية ، فإن هذه الرسوم قد قلصت ونزلت إلى مراعاة للاعتبار الاجتماعي  والاقتصادي ، وهذه خطوات استدراكية لابد من الإشادة بها، وبمن حركها، وبمن حقق الإنجاز فيها، فهناك قادة مجهولون يخدمون المصلحة العامة من زوايا الثوابت ، فتحية وطنية لهم، في يومنا الوطني، لكنها ورغم أهميتها تظل خارج ما نطالب به، وهو رسم خارطة حاكمة للحكومة بالثوابت المقدسة، ونطاق ومدى هوامش التعاطي مع التحولات والمتغيرات دون التقليل من تلكم الاستدراكات التي تنم عن إحساس ووعي بإدارة مرحلة الاطمئنان، ومهما كانت تحدياتها الخارجية ، الا أن تحدياتها الداخلية تظل هي الشغل الشاغل، وعلينا استشرافها مسبقا ، حتى يكون لدينا الاستعداد الفوري لمواجهتها، وهي معروفة بذاتها، لكن يظل رهاننا على وعي النخب وقادة الرأي ومؤطري الذهنية ، فتفاعلاتهم خلال المرحلة المقبلة توازي قيمتها أفعال الحكومة ، وعليهم التفكير من الآن بطبيعة الدولة المنجزة ، الجامعة الشاملة ، الآمنة والمطمئنة .

 

 

 

حفظ الله قائد البلاد ، وأمد في عمره ، وأيده دائما بنصره ، وحفظ الله بلادنا من شرور أنفسنا ، ومن أطماع ذواتنا، ومن الحاسدين والمتربصين بها ، وحفظ الله الإنسانية من الحروب وويلاتها ، وكل عام والجميع بخير إن شاء الله .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock