د/ عبدالله باحجاج يكتب: موازنة 2019 وضوابطها السياسية الحاكمة..وتقاطعاتها مع مرحلة دولية ضاغطة، فهل رسالتنا ستصل ؟

أثير-د.عبدالله باحجاج

لا يمكن استبعاد الأبعاد السياسية من أية موازنة عامة أية دولة ، سواء كانت هذه الأبعاد مستهدفة لذاتها أم تلقائية ، والأخطر دائما يكون في غياب الاستهداف السياسي العقلاني والمبرمج بتواقيت وحسابات المراحل ، ومستويات الخطورة ، تمس الدول التي تشعر ـن لديها إنجازات اجتماعية كبرى تسعى الى الحفاظ عليها في وجه المتغيرات والتحولات الاقتصادية والسياسية ، الداخلية منها والخارجية ، مثل السلطنة التي ينبغي أن تكون موازنتها السنوية معبرة عن انشغالات سياسية مرحلية ، تستوجب التذكير بها .

وغياب الاستهداف السياسي للموازنات يكون بديله ، طغيان الاستهداف المالي والاقتصادي لذاتهما النفعية الضيقة، بحيث تكون درجة خطورته المرتفعة عدم وجود انعكاسات ملموسة وشاملة على المجتمع ، بمعنى ، ارتفاع النمو الاقتصادي لا يقابله انعكاسات ” نتائج ” اجتماعية واضحة .
فأين تقف موازنة عام 2019 من الطرح السالف الذكر ؟ عشية مناقشة معالي وزير الدولة للشؤون المالية للموازنة الجديدة للعام 2019 داخل مجلس الشورى ، وجهنا مجموعة نصائح للأعضاء ، هي بمثابة أفكار توجيهية لهم بعد أن لمسنا في تلك الليلة إغراق الكثير منهم في المؤشرات المقلقة للميزانية الجديدة ، مما حاولنا التأثير على هذه السلبية ، وتبيان اختلاف المهام والادوار بين من يمثل الحكومة في الموازنة الجديدة وبين من يمثل المجتمع في مناقشتها ، محاولين تحرير الذهنيات من حالة القلق التي انتقلت من الفريق المالي الحكومي الى الأعضاء المنتخبين ، فكل من يغرق في القلق لن يرى المشهد كما يجب ، وانما كما يقوده القلق ، والقلق حالة نفسية انفعالية من شيء قد يقع وقد لا يقع ، وفي كلتا الحالتين ، يمكن عن طريق التخطيط السليم إدارة تداعياته .

حاولنا من خلال تلكم النصائح ، تبديد مؤشرات القلق على الأقل عند الأعضاء ، عبر مقارنة الأوضاع المالية والاقتصادية لبلادنا بين عامي 2018 و2019 ، والفارق بينهما مذهل ، والنتائج المتحققة حتى الآن من 2018 مبشرة ومطمئنة ، فالأنباء المطمئنة كانت تشير الى أن عجز موازنة 2018 عند المستويات الآمنة ، وقلنا كذلك أن ارتفاع إسهام النشاطات غير النفطية في الإيرادات – كما هو معلن – وصل الى (29%) ، وتساءلنا ، كيف لا نتفاءل ونطمئن بعد اكتشاف حقول غاز ضخمة ، وبعضها قد بدأ الإنتاج فعلا ، وأخرى ستبدأ مع بداية 2019 ، في ظل ارتفاع سعر النفط كثيرا عن السعر المستهدف لموازنة 2018 ، وهو (50) دولارا للبرميل ، وقلنا بأن انخفاضه من أبراجه المرتفعة تصل الى قرابة (90) دولارا ، وراءه تدخلات سياسية فقط .
والخيرات الاقتصادية المعلنة كلها تعزز التفاؤل – ولله الحمد – فبالاضافة الى اكتشافات الغاز الضخمة وبعض المعادن الواعدة كالبوتكس ، تقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إنها أضافت أربع دول جديدة إلى نطاق تغطيتها في متابعة تقييم النفط والغاز الصخري القابل للاستخراج في جميع أنحاء العالم، ومن هذه الدول السلطنة ، وكشف لنا مصدر مطلع أمس عن وجود كميات ضخمة قد تنفرد بها بلادنا .
من هنا لابد أن نتفاءل ، وتلكم معطيات قوية للتفاؤل ، ولو تفاءلنا ، سنقرأ بسهولة طبيعة التحديات السياسية التي ستواجه الموازنة الجديدة ، ونحدد بسهولة وسائل احتوائها مسبقا ، اما اذا غرقت الحكومة – ممثلة هنا في الفريق المالي – وكذلك مجلسي عمان ” الشورى والدولة ” في القلق سواء كان وهميا أو يدخل في منظور الحذر ، فإننا سنقود بلادنا لتجاهل هذه التحديات التي تواجه العالم كله .
وهذه التحديات تكمن في فقدان الاستقرار والأمن الاجتماعي ، فلا يوجد استقرار كلي في اية دولة من دول العالم ، بسبب الصراعات السياسية والاقتصادية حدثت ، وقد تحدث اهتزازات مدمرة جديدة للكيانات ، فالشعوب قد سئمت الظلم والعبودية وغلاء المعيشة المتصاعدة.
وتظهر بلادنا هنا – ولله الحمد والشكر – آمنة مطمئنة ، متصالحة مع ذاتها داخليا ، بسبب البعد السيكولوجي للمواطن وعلاقته بوطنه ، فالمواطن غارق في مفهوم الوطنية ، يولد عليها ، ويترعرع بها ، ويستنشقها في الهواء الطلق ، ويتفاءل بها ويخطط مستقبله عليها .. لا مبالغة في ذلك ، فهناك علاقة حميمية ووجدانية ووجودية بين المواطن والوطنية ، تتأصل وتتوارث بين الأجيال .. لأنها امتداد جيني ، وربما تكون هذه حالة استثنائية للعمانيين .

وهذه العلاقة هي التي تؤسس الاستقرار في بلادنا ، وديمومته – أي الاستقرار – تتجلى قديما وحديثا ومستقبلا في التفاؤل بالوطنية ، لذلك على موازنة 2019 أن يكون شغلها الشاغل ديمومة هذا الاستقرار ، وهذا يحمل شركاء الحكومة في مجلسي عمان ” الدولة والشورى ” جعل هذه الديمومة حاكمة للموازنة الجديدة ، لأنها تمس منطقة الاستقرار ، ولأنها كذلك ، يحتم عليهم أن يعملوا عصفهم الذهني في اقناع الفريق المالي ومن وراءه الحكومة على أن تكون البرامج الاجتماعية في الموازنة الجديدة ، معززة لتفاؤل الوطنية ، وداعمة للاستقرار والأمن الاجتماعي ، وفي مستوى التحديات السياسية التي يمر بها العالم عامة والمنطقة خاصة.
من هذه الزوايا ومحدداتها وأبعادها ، ينبغي أن تعد موازنة 2019 ، ومنها تتم مناقشتها من قبل مجلس عمان ، لأنهم شركاء الحكومة في الإنجاز والإخفاق ، وقد يثار هنا قضية الصلاحيات المحدودة للمجلسين ، وهذه قضية يغرق فيها الوعي كثيرا ، لأن وعيه محدود ، مما ينعكس على فعله الذي ينتج المحدودية ، فمسارات الإقناع واتجاهاتها ، ليست مقتصرة فقط على الفعل المحدود داخل مجلس عمان ، وانما مفتوحة بالمدى الذي قد يصله اعضاء وفعاليته ، وكلما يكون المدى والنطاق كبيرا وواسعا ، فإن ذلك سيكون افضل تعبير عن وعي الوطنية ، وتصبح صور التعبير عنه – أي الوعي المرتفع – مشروعا ، وليس كما يفسره الوعي المحدود ، بمآلات وتأويلات عكسية .
لا ينبغي القلق أبدا من التعبير عن الوطنية الملتزمة بالوعي واستحقاقات الاجندة الاجتماعية الوطنية ، بل هي المطلوبة الان ، وملحة أكثر من أي وقت مضى ، لأننا عندنا انجاز نخشى عليها ، ويحسدنا عليه الأعداء ، ويغبطنا عليه الأصدقاء ، ومن حق كل فاعل أن يجاهر بوعي التصحيح أو التصويب او التوجيه نحو الحفاظ وتعزيز الإنجاز .

لذلك ، فالطموحات الاجتماعية لموازنة 2019 كبيرة ، ولا يمكن اختزالها – كما يصرح بها امس بعض أعضاء الشورى البارزين – في الترقيات فقط رغم أهميتها ، وانما ينبغي ان تشمل قائمة كبيرة من الأولويات ، ابتداء من احتواء ازمة مربي الحيوانات الذين يعانون الآن من ارتفاع ازمة الاعلاف ، فقد وصلت الربطة الواحدة إلى (ريال وستمائة ) بيسة بعد ما كانت (ستمائة ) بيسة ، علما بأن الربطة الواحدة قد لا تكفي الحيوان الواحد ، وتشمل ازمة الباحثين عن عمل المقلقة ، والأعباء الكبيرة الناجمة عن مجموعة سياسات اتخذت منتصف عام 2014 من بينها ارتفاع أسعار الوقود .. إلى تطبيق الامر السامي بتوحيد منافع ومزايا أنظمة التقاعد أسوة بنظام تقاعد موظفي ديوان البلاط السلطاني .
هل سيكون عندنا مشكلة تمويل ؟ نقولها باطمئنان وتفاؤل كبيرين بالنفي ، بدليل ما وضحناه سابقا ، قد تكون عندنا ازمة توظيف الموارد ، وهنا المشكلة ، نستدل على ذلك باستمرار دعم شركات حكومية متعثرة ، وبصور متعددة للانفاق العام غير ملتزمة ، وببيع الغاز لشركات بأسعار زهيدة .. قد نعاني من ازمة عقول ، فحلها واضح ، وهو أن طبيعة المرحلة ، تحتاج فعلا لعقول جديدة ، عقول تؤمن بفكر قائد النهضة حفظه الله ، والأفكار السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي صنعت النهضة طوال العقود الماضية .

وهنا موطن الخلل ، ومنشأ الاختلالات .. ويفترض أن يكون مجلس عمان بتركيبته الثنائية ، أداة توازن ، وتصويب المسارات ، لكنهما يصطدمان بصلاحيات مقيدة ، وبوعي الظرفيات لا بوعي الثوابت ، وبضغوطات المصالح الاقتصادية الخاصة المستفيدة من مشاريع كل موازنة جديدة، فهل وصلت رسالتنا ؟ إمكانية المراجعة والتصويب والتصحيح لا تزال قائمة فالميزانية لا تزال مشروعا ، وهي في طور مجلس الشورى ، وبعد شهر ستنتقل إلى مجلس الدولة الذي يلزمه القانون تقديم مرئياته بعد خمسة عشر يوما ، دعوة من القلب إلى تغليب تلكم الضوابط السياسية في مناقشة وتقديم المرئيات ، والدعوة نفسها موجهه للحكومة في الانفتاح السياسي لموازنة 2019 .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock