د.سالم الشكيلي يكتب: الخطوة الأولى تبدأ من هنا

أثير- د.سالم الشكيلي 

أعلنت وزارة الداخلية -باعتبارها الجهة المختصة بالإعداد لانتخابات مجلس الشورى- عن بدء القيد في السجل الانتخابي، سواءً عن طريق مكاتب الولاة أو عن طريق الموقع الإلكتروني للوزارة، وذلك تمهيدا لانتخابات الفترة التاسعة للمجلس. 

والقيد في السجل الانتخابي عملية إجرائية لازمة تعني أنّ المواطن العماني أصبح مؤهلا قانونا لممارسة حق الانتخاب ويعني أيضا أن عدم القيد في السجل لا يشفع للشخص بممارسة حق التصويت، حتى ولو كانت الشروط الأخرى متحققة لديه ، ولا توجد موانع قانونية تمنعه من ذلك.

والانتخاب حق أصيل لكل عماني بلغ من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية في اليوم الأول من شهر يناير من السنة التي ستجرى فيها الانتخابات. 

وبقدر ما يؤمن الكثيرون من الفقهاء الدستوريين بتكييف الانتخاب بأنه حق، بقدر ما يؤمن به آخرون، أن الانتخاب يحمل صفتين الحق والواجب، وبالتالي لا يجوز تركه أو بمعنى آخر عدم ممارسته، فالوطن -أي وطن- لا ينهض إلا بسواعد أبنائه وبمشاركتهم في الشأن العام.

ومن هذا المنطلق فإن العزوف عن القيد في السجل الانتخابي بحجة عدم النية بالمشاركة في الانتخابات، إنما هو عزوف عن القيام بممارسة الحق وأداء الواجب، ولا يصح التذرع بأية حجج مهما كان منطقها ومبرراتها، ولا وجه أيضا للربط بين ممارسة الانتخاب وبين أداء الأعضاء في مجلس الشورى، فالأداء نحن الذين نصنعه كناخبين من خلال عملية الاختيار، فإن أحسنّا الاختيار وصعدنا بالأكفاء إلى المجلس نكون صنعنا حسن الأداء، وإن لم نوفق في اختيار من يستحق، نكون أسهمنا في ضعف الأداء. 

إنّني أعلم مثل غيري بأنّ هناك أسئلة ومقولات ظنّيّة تتردد، من بينها؛ ماذا عمل لنا مجلس الشورى؟ من الذي يراقب أداء المجلس؟ هل أعطت الحكومة المجلس ممارسته لوظيفته حقها كما يجب؟ 

إنها تساؤلات مشروعة ومحقة،  ومع ذلك يمكن مناقشة تلك الأسئلة لنصل إلى تشخيص سليم للموضوع. ففيما يتعلق بالتساؤل الأول، أعتقد من المناسب الإحاطة بالاختصاصات الأصيلة التي يمارسها المجلس، وهما التشريع والرقابة، والتشريع يعني وضع القوانين وهي وظيفة أو اختصاص مشترك مع مجلس الدولة، وعلى هذا فإنّ أعضاء مجلس الشورى لا يمكنهم ممارسة هذا الاختصاص منفردين، بل بالشراكة الحتمية مع أعضاء مجلس الدولة، وبالنسبة للاختصاص الرقابي على أداء الحكومة، فالأعضاء يكثرون من استعمال أدوات الرقابة مثل إبداء الرغبات وطلبات الإحاطة وطلبات المناقشة والأسئلة البرلمانية وصولا إلى الاستجواب، لن أزعم بكمال ونضوج هذه الممارسة سواءً من جانب المجلس أم جانب الحكومة، وأعتقد بضرورة وضع آليات قانونية لكيفية الاستخدام ولكيفية الاستجابة لها من الطرف الآخر، ولربما قادم الوقت يأتي بما يلبي ذلك. 

فعضو مجلس الشورى ليس دوره كما يراه البعض، توصيل شارع إلى مزرعة فلان، أو مساعدة علان للحصول على قطعة أرض أو ما شابه هذه الحالات، فهو وإن قام بها يبقى ذلك دورا ثانويا على هامش الأدوار الأصلية.

وفيما يخص الرقابة على أداء الأعضاء ومن يملكها، فالناخبون هم الذين يملكون هذا الاختصاص ودورهم يتمثل في مراقبة أداء ممثليهم في المجلس، فإن كانوا على قدر المسؤولية وليس من المرشحين من هم أقدر وأجدر منهم جددنا لهم العضوية ومنحناهم أصواتنا، وإن كان العكس منعنا أصواتنا عنهم وصوتنا للأكفاء منهم، فهنا تكمن الرقابة الحقيقية على آداء الأعضاء، فالحكومة ليست معنيّة بتقييم أداء المجلس إطلاقا لا من قريب ولا من بعيد.

أما فيما يتعلق بالتساؤل الثلاث، فلن أجامل أو أمالئ الحكومة حتى لا أُتّهَم بالنفاق، إِذْ إنّ الحكومة مطالبة اليوم أكثر من الأمس بتمكين المجلس من أداء دوره على أكمل وجه، وذلك من خلال التعاون معه والتفهم للاختصاصات المناطة به على اعتبار أن المجلس شريك لها وليس خصما لا سمح الله، وإذا كانت الفترة الحالية قد شهدت تعاونا نسبيا من جانب الحكومة، فالآمال معقودة بتعاون أكثر في الفترة القادمة، وعلينا أيضا كناخبين دور في هذا الشأن من خلال الإقبال الكثيف على الانتخابات وإرسال رسالة لمن يعنيهم الأمر بأننا مع المجلس ومع تطبيق كامل وفعلي للشورى، أقولها بصراحة يمكننا أن نصنع -كناخبين- الفرق من خلال هذه الرسالة، أما العزوف فلن يتقدم بنا خطوة واحدة إلى الأمام ولن نحل العقدة إن كان ثمة عقدة.

نحن الآن على مشارف استحقاق جديد، وعلينا أن نستعد له جميعا ناخبين ومترشحين وحكومة، علينا ألا نتذرع بذرائع مهما كان حجمها، فالمرحلة صعبة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، علينا أن نتلاقى من أجل عمان ورقيها وازدهارها في منتصف الطريق، فلو اتفقنا على الالتقاء -بإذن الله- على ثوابت معينة ومفيدة فهذا سينعكس إيجابا على الوطن، ولا أحدَ منا لا يريد ذلك. عمان بحجمها وتاريخها ومكانتها وبوعي رجالها ونسائها تستحق منا الكثير وليس غاليا عليها أن تتوحد جهودنا وننظر إلى مستقبلها كما يريده لها جلالة سلطان البلاد المعظم -حفظه الله وأبقاه-، علينا أن نغلّب مصلحة الوطن الذي هو أمانة في أعناقنا جميعا حكومة وأفرادا، ونجعلها تعلو على كل المصالح الأخرى ، بل إن كل مصلحة أخرى يجب أن تذوب وتختفي في سبيل مصلحة الوطن العليا.

ولكي تتكامل الجهود ويحدث اللقاء في منتصف الطريق كما أسلفنا القول، على كل جهة أو طرف القيام بما عليه القيام به، وليعتبر ذلك من باب إبداء حسن النوايا، ومن ذلك ما يلي:-

أولا على الحكومة أن تبادر بإحالة مشروع قانون مجلس عمان إلى مجلسي الشورى والدولة لإقراره حسب الآلية المتبعة المنصوص عليها في النظام الأساسي للدولة، فهذا القانون سيحدد إطار العلاقة بين مجلس الشورى والحكومة، كما سيحدد الآليات والإجراءات الواجب اتباعها في الممارسة، بما يكفل توضيح الاختصاصات دون مشاحة أو تنازع بين الطرفين، مما سيدفع كل طرف إلى العكوف على ممارسة واجباته دون انشغال بالبحث في الآليات والطرق التي يتغلب من خلالها كل طرف على آخر، فكلنا شركاء في العمل الوطني، ومن باب الكبير يبقى كبيرًا فالمقاربة إذا أتت منه يكون لها وقعٌ أكثر من الأطراف الأخرى، وستقابل بتقصير المسافات، ومن المكاسب الحقة في هذا كله، نزاهة العملية الانتخابية، فوزارة الداخلية واللجنة الرئيسية واللجان الفرعية ومن قبلهم اللجنة العليا للانتخابات يُشهد لهم بنزاهة الإعداد والتنظيم والإشراف، فهي جميعا تقف على مسافة واحدة من جميع المرشحين، ولم تسجل طوال الفترات الماضية حالة واحدة ضد هذه الأدوار الجليلة وهو سجل ناصع البياض والحمد لله على ذلك.

ثانيًا: على مجلس الشورى وهو في دور الانعقاد الأخير، المبادرة فورا ودون إبطاء إقرار آلية حاكمة لمساءلة أعضائه في حالة الإخلال بواجباتهم، لا أحد فوق القانون، ولا أحد فوق المساءلة مهما كان وضعه، فكما أنّ أعضاء المجلس يُشرعون لمساءلة الأفراد عند الإتيان أو الامتناع عن أفعالٍ معينة، فهم كذلك معنيون بوظيفة الرقابة على أداء الحكومة، فمن باب أولى عليهم أن يعلنوا لناخبيهم كيفية وآلية مساءلتهم لأنفسهم حتى يبثوا الطمأنينة عند من أتى بهم تحت قبة المجلس، والنظام الأساسي للدولة أقرّ بمسؤولية ومساءلة أعضاء مجلس الشورى عندما حدد لهم واجبات، وحظر عليهم بعض التصرفات، وعليهم أن يعملوا على هذا الأمر بسرعة متناهية كعربون مصالحة لناخبيهم خاصة، ولمواطنيهم عامة الذين باتوا يشكون من بعض التصرفات، وأولها عدم الالتزام بما تفرضه عليهم واجبات العضوية، فمن أتى بهم هو الأصيل وهو القادر على الإتيان بغيرهم، ومن أتى بهم يطالبهم بمساءلة أنفسهم عن كيفية الإخلال بواجباتهم.

ثالثا: ويأتي الدور الأهم على الناخبين بالزحف على صناديق الانتخاب بكثافة، وعلينا وليس بيننا وبين الصناديق عندئذٍ رقيب ولا حسيب غير تحكيم الضمير والعقل والمنطق، وعلينا أن نحسن الاختيار، مرسلين بذلك رسائل إلى الحكومة والمجلس بأن الشعب العماني لن يتنازل قيد أنملة عن مكاسب نهضته المباركة، وعن الممارسة الشورية التي أسس ورسخ دعائمها صانع الأمجاد لعمان وطناً وشعباُ، حضرة سلطان البلاد المفدى.

والزحف إلى صناديق الاقتراع بالصورة التي ندعو لها، تبدأ بالخطوة الأولى وهي القيد في السجل الانتخابي لمن لم يقيد اسمه مسبقا، ولْنرمِ بالأعذار الواهية وراء الظهور، ولنعطِ أنفسنا والمجلس والحكومة فرصة جديدة ليقوم كل منا ما عليه القيام به، ولنتجاهل دعوات التثبيط والعزوف والمقاطعة كما يسميها البعض تحت أي ظرف من الظروف، خاصة وأن وزارة الداخلية سهلت إجراءات القيد تلك، فبمقدور المواطن القيد وهو في بيته أو عمله إذا كان يتجشم المسير إلى مكاتب الولاة، وذلك من خلال الموقع الإلكتروني لوزارة الداخلية الذي أعلنت عنه. 

ومما لا شك فيه إذا بادرت الأطراف الثلاثة بعمل ما جاء بعاليه فإننا سنبرهن للعالم ولأنفسنا بوعينا ورقينا ومحافظتنا على واحدٍ من أهم منجزات النهضة المباركة، ونكون حقا بدأنا فصلا جديدا للتعاطي مع المصلحة الوطنية بثقة متبادلة، وبأمل واعد ومشرق للممارسة الشورية في السلطنة، فهل نفعلها جميعًا بحق؟! ذلك ما يتمناه ويحرص عليه كل مخلص، وكفى بالله هاديًا ومعينًا. والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock