د.رجب العويسي يكتب: ممكنات البعد الوقائي في السياسات التعليمية، ماذا نفعل؟

د. رجب بن علي العويسي
رجب العويسي
خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

ينطلق تناولنا للموضوع من محورية دور التعليم في تأسيس وعي المجتمعات، وما يرتبط بهذا الدور من فرص وتحديات ينبغي لسياسات التعليم الوطنية أن تضعها في الحسبان عند أي توجه يستهدف إحداث تحول في الممارسة التعليمية وتحسين العمليات الداخلية فيه أو في الترويج لحشد التأييد المجتمعي لخططه وبرامجه، أو في تبني نظريات وتجارب دولية في تطوير عناصر المنظومة، سواء مع الممارسين للتعليم أنفسهم والمناهج وتعلم الطلبة والخطط الدراسية والمسارات التعليمية، لتصل إلى القرار التعليمي ذاته ومنظومة الحوافز والصلاحيات وإدارة العمليات التعليمية ، بحيث تصنع هذه الموجهات مساحة أمان للوصول إلى هدف جودة التعليم وتحقيق التنافسية فيه، مع الإبقاء على خطوط التأثير ومساحات التغيير حافظة للمبادئ العامة والقيم والموجهات التي يسعى التعليم لتحقيقها في ظل متطلبات النظام الأساسي للدولة ومعطيات فلسفة التعليم والالتزامات التي أقرتها الخطط الخمسية والتزمت بها في مسار المراجعة للسياسات التعليمية التي وجه إليها جلالة السلطان المعظم في عام 2012م، أو تلك التي يعتبرها المجتمع خطا أحمر على التعليم أن يتنبه لها، ويضمن عدم المساس بها ، إذ أن تجاوزها مؤشر لفقدان الثقة فيه وضعف قدرته في إدارة التحولات الحاصلة في المجتمع عامة وملفات الباحثين عن عمل في التخصصات التربوية أو مخرجات التعليم العالي والجامعي بشكل خاص.

ولمّا كان المنظور الوقائي للتعليم لم يعد في ظل تنوع المعطيات وتشعب المسؤوليات وزيادة التدخلات، محصورا في نطاق مؤسسة التعليم ذاتها، أو بين عناصرها المعروفة فحسب، لذا أصبح التعامل معها يستدعي العمق والاتساع والشمولية والشيوع الذي يتجاوز حدودها المعروفة، وما يؤسس في ذلك من محاذير وأساليب وقائية ونُهُج استباقية تضمن كفاءة التعامل مع ما تتلقاه هذه المؤسسات كل يوم من قضايا متنوعة واحداث خارجة عن ساحاتها أو حرمها الأكاديمي، لتلقى بظلالها على نمط العمل وأساليب الأداء، فإن ما تحويه من مورد بشري متنوع في اهتماماته واستعداداته وامكانياته، يصنع منها منطلقا لبناء موجها ت وممكنات وقائية أكثر ضبطية والتزاما، وحرصا على تبني مسارات تقلّل من التأثير السلبي لهذه العوامل في جوهر المنظومة وأولوياتها وغاياتها الكبرى أو توجيهها في غير مقاصدها، سواء كانت بتأثير المجتمع وتدخله فيها، أو من تأثير العالم الافتراضي وما يحويه من محطات مختلفة وعوالم متعددة، أو من قبل العناصر الداخلية في المنظومة والحراك الداخلي بينها وحالة المنافسة أحيانا أو الصراعات أحيانا أخرى، وما يستدعيه ذلك من امتلاكها أدوات التأثير وقوة النفاذ، وحشد التأييد وبناء ممكنات الابتكار والإنتاج الثقافي والفكري، والاعلاء من شأن الموارد الداخلية والاستثمار فيها والاحتفاظ بتواجدها ونقل عناصر المنظومة من حالة الدفاع والهجوم، إلى امتلاك محددات التأثير والاحتواء والدخول بعمق ومهنية في إدارة الواقع وإحداث التغيير فيه، وضبط المتغيرات والعوامل المؤثرة وتقنينها وحسن توجيهها لصالح كفاءة المنظومة وجودة منتجها.

وعليه فإن زيادة الممكنات الوقائية في السياسات التعليمية بما ينعكس على قدرة المنظومة على التعامل مع التحديات الحاصلة، أو الطموحات والتوقعات المطلوبة منها، أو الوفاء بالتزاماتها على الصعيد المجتمعي والوطني والعالمي على حد سواء، أو قدرتها على ضمان تحقيق معايير المنافسة في ميدان المشاركات الدولية، أو مساحة الوعي التي تصنعها في جيل المتعلمين حول مفردات المواطنة والهوية وقيم العمل والإنتاج، أو استباقيتها في صناعة البدائل المبتكرة في التعامل مع الملفات المطروحة على التعليم، والاجندة التي عليه أن يعمل على حلها؛ يستدعي جملة من الحزم التطويرية التي ينبغي إدخالها في أي قراءة لبعدي الوقائية والاستباقية على حد سواء. وتأتي كفاءة التشريعات اللوائح كأولوية في ضمان نجاح هذا البعد، بما يحفظ للتعليم ومؤسساته مساحات القوة والصلاحيات في تحقيق رسالتها من شأنه ضمان قدرتها على صناعة التحول النوعي في الممارسة وتقييمها وإعادة صياغتها بشكل يتوافق مع المحددات التي أشرنا إليه، وهو ما سوف يجنبها الأحكام العشوائية المرتجلة التي باتت تزل بأهدافها وتتجافى مع أولوياتها وتدخلها في مزالق المزايدات والمساوات، وحمايتها من كل مظاهر التشويه التي باتت تقوّض بنيانها وتسئ إلى أخلاقها وتضيع هيبتها وتعكس صورة أخرى غير متوافقة مع رسالة العلم. بالإضافة إلى تعزيز مبدا الحوكمة التعليمية وتعميق مفهوم أكبر للشراكات الاستراتيجية بين المدارس والجامعات ومراكز البحوث والمختبرات العلمية والمصانع وغيرها، لتحقق مسارات أكبر من التفاعل الإيجابي معها من قبل الممارسين والطلبة، وتجسير الهوة الحاصلة بين السياسات والممارسات او الفلسفات والمنطلقات الفكرية واليات العمل والخطط التشغيلية، بما يضمن تحسين نوعي في المناهج والأنشطة وطرائق التدريس وأساليب الحوار ، ومراعاة البعد النفسي والأخلاقي والقيمي والذوق العام بالشكل الذي يعزز من قدرة المتعلم والشركاء على التعاطي مع متطلبات الواقع وفهم مشتركات العمل وتكييف النمط الإداري والفني واليات الرقابة والمتابعة في سبيل ضمان احتواء الواقع، والحاجة الى وجود مراكز دعم واتصالات قادرة على الإجابة عن التساؤلات والاستفسارات المطروحة من قبل الشركاء والممارسين في ظل تنوع أدوات الرصد والمسوحات الدورية في الحصول على البيانات والمعلومات لاستقراء واقع الممارسة التعليمية، وان ينتهج التعليم مسار الاستباقية في تحديد أولوياته، ورصد الاحتياجات والفرص والتحديات والتهديدات والنجاحات المتوقعة، في ظل مؤشرات واقعية مجربة لإعادة انتاج الواقع وتشكيله، بالإضافة إلى وجود مراكز تحليل للسياسات التعليمية لتحديد بوصلة العمل، وتبني سياسات تعليمية استثمارية تضمن ربط التعليم بالمسارات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والنفسية والإنتاجية.

من هنا فإن الإبقاء على مسار القوة في الممكنات الوقائية يضع السياسات التعليمية امام تحولات قادمة في تعاطيها مع مبدأي : الوقائية والاستباقية، وفق مرتكزات تحدد هوية التعليم وتعكس مدى قدرته على الاستدامة والابتكارية في التعاطي مع الثورة الصناعية الرابعة ونواتجها المعلنة والضمنية على التعليم، وهو الدور الذي نعتقد أن على مجلس التعليم الموقر أن يسعى إلى إبرازه في تناول الصورة القادمة للتعليم، وتكثيف اللقاءات والحوارات مع المؤثرين فيه والممارسين له للوصول إلى استقراء لطبيعة ما نمتلكه من جاهزية وممكنات التعامل مع الواقع الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock