د.عبدالله باحجاج يكتب: إقالة المسؤولين : من يفشل يجب أن يُقال .. ومن ينجح له البقاء .. والوطن فوق كل اعتبار

أثير- د.عبدالله باحجاج

هل مرحلتنا الوطنية الراهنة ، بآفاقها وتحدياتها المقبلة ” الداخلية والخارجية “شبيهة بطبيعة المرحلة الماضية التي مرت بها بلادنا ؟ من المؤكد أن الإجابة بالإجماع ستتجه مع ما نذهب في قوله ، وهو بأننا ندشن مرحلة جديدة غير مسبوقة في المفاهيم والادوار التي تؤطر الدولة ، بما فيها أهم أركانها ، وهو المجتمع ، لذلك يظل الرهان على الكفاءات الفردية والمؤسساتية لتحقيق البرامج والأهداف الوطنية الجديدة ، ولكسب المجتمع في آن واحد .

وهنا تكمن المعظلة الكبرى ، قديما وحاضرا ” وهاجس المستقبل يستدعيها الآن بقوة ، وكسب المجتمع ربما يكون هاجسا مرتفعا الآن ، وهو يتحقق – أي كسب المجتمع – من خلال نتائج ملموسة تمس جوهر أوضاعه ومعطياته ، وكذلك من خلال صناعة الأمل الذي يحاول البعض بين كل فينة وأخرى سحبه من النفسية الاجتماعية ، وكأن وراءه استهدافًا لذاته ، ومبرمجا لغاية جعل المواطن متوترا وقلقا دائما على حاضره ومستقبله .
صور القلق المنتشرة الان في بنية مجتمعنا عديدة ، نذكر أهمها ، قلق الآلاف من الباحثين عن عمل ، وقلق في صفوف شباب مهددين من بعض الشركات بالتسريح ، وآخرين سرحوا فعلا من العمل ، وقلق تآكل المرتبات بسبب زيادة تكاليف المعيشة .. وقلق المتقاعدين ، ونظرائهم الذين ينتظرون التقاعد ، وقلق من حالات الطلاق المرتفعة ، وبعض أسبابها يرجع الى عدم قدرة الزوج على الانفاق ، وقلق العنوسة .. والقلق قبل أوانه في صفوف الطلبة من وصولهم الى مرحلة البحث عن عمل …. وهناك قلق من التصريحات المتشائمة التي تظهر بين كل فينة وأخرى ، وتحذر من المجهول القادم ، وتتجاهل الخير الراهن ، وقلق من تصوير مرتبات الموظفين بأنها تشكل عبئا ثقيلا على موازنة الدولة ، وانها قد تمس في أية أزمة ، رغم نصيب المواطن المحدود الدخل ليس له وجه مقارنة مع المسؤول الكبير أصحاب الدخول المتعددة في كل ، وقلق عند الكثير من الموظفين الذين توقفت ترقياتهم ، ولم يفرج سوى عن دفعات 2010 ، وقلق من تردي خدمات بعض الوزارات ومن تحول شركات خاصة ذات نفع عام الى سيوف مسلطة على المواطنين – قد تناولناها في مقال سابق – .

تلكم ملامح من منظومة هذا القلق في المجتمع، ننقلها استمرارا لحملة صناعة التفاؤل التي أطلقناها صحفيا وعبر وسائل التواصل الاجتماعي ، لإيماننا بان بلادنا فيها من الخيرات المتعظمة والمتجددة المنظورة وغير المنظورة ، المستغلة وغير المستغلة ، المكتشفة وغير المكتشفة ، المعلنة وغير المعلنة ، ما ينبغي أن نعزز التفاؤل ، ونصنع الفرحة في المجتمع ، وليس العكس .
ففي قمة التشاؤم ، تعززت اكتشافاتنا النفطية ، وفي قمة التشاؤم ، ارتفعت أسعار النفط ، وفي قمة التشاؤم ، انفجرت خيرات الغاز الضخمة ، وفي قمة التشاؤم وردت إلينا انباء بخيرات النفط الصخري ، وفي قمة التشاؤم سرب الينا عن اكتشاف معدن من أهم المعادن قيمة ووزنا على الصعيد العالمي – لم يتم الكشف عنه – وفي قمة التشاؤم ، اكتشفنا بأن قطاع الموانئ والمناطق الحرة وموقع بلادنا الجيواستراتيجي وقطاعات السياحة والتعدين والزراعة والأسماك وقطاع اللوجستيات .. يمكن أن تشكل لوحدها مصادر دخل امنة لبلادنا وخلال فترة زمنية متوسطة المدى فقط .

وفي خضم تلكم الحقائق ، هل ينبغي على فريقنا الاقتصادي صناعة التفاؤل أم تكريس القلق ؟ والى متى ؟ ربما حتى ينتظر تفجر أزمات يستشرفها البعض من أفكاره المقلقة ، القلق المزمن لا يمكن يؤدي بصاحبه للتفاؤل ، سيظل في حالة قلق من أسوأ الاحتمالات ، المتخيلة أو العلمية ، كما أن مواجهة الأزمات المستشرفة خاصة طويلة المدى مثل (15) سنة مقبلة لا يكون عبر نشر القلق من الان ، وانما يكون عبر إعمال التخطيط السليم والدارسة العقلانية المتأنية دون أن نقلق بها المجتمع الذي يفترض أن يعيش مراحله بظروفها الراهنة لا بظروف الاحتمالات دون تجاهلها طبعا ، حيث يفترض أن تكون هناك مؤسسات تفكر وتخطط وتعمل على الحيلولة دون وقوعها أو إدارة تداعياتها .

وصناعة التفاؤل في اللحظة وفي اليوم وفي المستقبل ، وجعلها آفاقًا تسبح فيها النفسيات الاجتماعية ،هي مسؤولية الحكومة بامتياز ، وكل فاعل فيها ، تقع عليه مسؤولية صناعة التفاؤل ، استمرارا للنهج الذي رسمه لنا قائد هذه المسيرة المباركة عاهل البلاد حفظه الله ورعاه الذي بدأ مسيرتنا بإطلاق التفاؤل على مصراعيه رغم قلة الموارد ” آنذاك ” ونقل الدولة والمجتمع الى تحقيق النجاح قبل بلورته ، لأنه هيأ السيكولوجية الاجتماعية العامة للنجاح ، فانعكس التفاؤل على كل جوارحها ومكوناتها الداخلية ، فمن منا لم تختزن ذاكرته حتى الآن العبارة التالية ” إني اعدكم أول ما افرض على نفسي ان تعيشون سعداء لمستقبل افضل ” هذا قمة التفاؤل يطلقه قائد البلاد رعاه الله ، اخترق به القلوب ، فأحبه شعبه على الفور ، واحتوى به العقول المختلفة والافكار المتعددة والمتصارعة ” آنذاك ” فانصهرت في بوتقة المسيرة الواحدة ” قيادة وارضا وشعبا ” .

ولنتأمل الآن في نتائج مفاعيل التفاؤل النووي في مقابل تداعيات التشاؤم المستمر ، من هنا لابد من استعادة التفاؤل وسريعا ، لأنه سلاح المواجهة ، وسلاحنا على الانتصار على كل التحديات الداخلية والخارجية المقبلة ، مثلما كان لبلادنا النصر طوال سنواتها الماضية ، وحتى ننتصر لتفاؤلنا الذي أسس وأطر دولتنا المعاصرة بموارد دولة محدودة ، ينبغي اعتبار تعزيز التفاؤل ” قولا وفعلا ” من ضمن معايير نجاح أو فشل النخب الحكومية والعمومية ، وكذلك كسب الرضا الاجتماعي على اعتبار انه القاعدة التي نواجه من خلالها كل التحديات ، فلابد أن تكون هذه القاعدة صلبة ومتماسكة – أي غير متحركة – وسيحركها كل فعل أو قول يخرج عن منظومة التفاؤل وكسب الرضا الاجتماعي ، والعكس صحيح .

قد نقدر بعض صور القلق سالفة الذكر بسبب تفجر الأزمة النفطية عام 2014 والفشل في تنويع مصادر اقتصادنا طوال الرؤية 2020 ، لكن ، هل ينبغي أن يستمر قلقنا ؟ بلادنا تقف الان آمنة ومطمئنة في حاضرها ومستقبلها ، مثل ما كانت في ماضيها ، لذلك ليس هناك حاجة إلى تمريض المجتمع بالقلق ، وهو – أي القلق – اذا ما ترسخ في أي مجتمع ، أفقده الرؤية الصحيحة والفعل الاصح ، فكيف اذا ما انعكس التلويح الدائم بالتشاؤم مع وجود حالات من الترهل الإداري لبعض المؤسسات الخدمية ، وتسليط سيف القهر على المواطنين من قبل شركات خاصة أنيط بها إدارة مرافق عمومية أو شبه عمومية، مثل ما يحدث منذ عدة اشهر في شركة تحصيل فواتير الماء والكهرباء ؟

ومن خلال ما تقدم ، نتساءل كيف ، ومتى ، ينبغي إقالة المسؤول عن منصبه اذا أخفق في وظيفته ؟ والمسؤول هنا قد يكون وزيرا أو وكيلا أو مديرا عاما أو رئيسا تنفيذيا …؟ وهنا نعلي من شأن الإقالة ، كمسمى وكنهج جديد ، لكننا نتأملها أن تكون من خلال فعل مؤسساتي مدني خالص ، وليس بواسطة تقارير خاصة جدا يغلب عليها الأهواء والميول الذاتية ، أو يكون وراءها رأي عام مصنوع على معطيات غير دقيقة أو تأخذ جزئية من أداء مخل في حينه وفي ظروفه .. ويسلط المجهر عليه ، وتنسف (90% ) من العمل الإيجابي.

وتساؤلنا يستهدف كذلك كسر جمود تقوقع المسؤولين في مناصبهم لعدة عقود دون ثواب – إن احسنوا – ودون عقاب إن اساءوا ، فقد استكانوا وتجمدوا في مواقع عملهم ، فترهلوا ، مما شاخت معهم وظائفهم ، وفقدت رضاها الاجتماعي – البعض ليس الكل – علما بأن هناك توجهات عليا ، بتدوير المسؤولين ، وهذا للأسف لم يحدث حتى على مستوى القيادات التنفيذية رغم وجود رقابة إدارية ، فأين نتائجها ؟

لذلك ، نقترح إقامة هيئة وطنية مستقلة عليا ، يرأسها وزير ، ترتبط بعاهل البلاد حفظه الله مباشرة ، ويكون لرئيسها الديناميكية والقدرة على التواصل مع صانع القرار في اية لحظة ، وتكون الجهات الخاضعة لرقابتها ، الوزارات والأجهزة الحكومية والجهات والشركات التابعة لأي منها ، وكذلك الهيئات والمؤسسات العامة والجهات والشركات التابعة لأي منها ، وكذلك الجمعيات والمؤسسات الخاصة وغيرها من الكيانات التي تباشر أعمالا ذات نفع عام ، لمراقبة أداء فاعليها ، ونتائجهم وتفاعلاتهم ، وتكون نتائجها حاكمة لبقاء أو ترقية أو رحيل كبار مسؤولية .. مع تفعيل الدور الرقابي لمجلس الشورى من منظور تعددية الرقابة والمساءلة الخ .

ولنا في تجربة هيئة حماية المستهلك ” نموذجا ” نبني عليه ، فبلادنا مؤهلة وبسهولة الى ذلك ، إذ لم تنتج مرحلتنا الوطنية حتى الآن ، قوى فوق الدولة على غرار دول مجاورة ، وانما قوى قادرة ان تحاسبها الدولة ، وتنزل عقابها عليها ، وهذا إنجاز من أهم الإنجازات الكبيرة غير المرئية التي تحققت في بلادنا ، وبالتالي تستوعب وبسهولة النقلة المؤسسية سالف الذكر بكل هدوء ، وتنهي قضية التقارير الخاصة التي ترفع عن المسؤولين والتي يكون وراءها الكثير من الاعتبارات الخاصة أو الشخصية ..لذلك لم نر إقالات الا نادرا .

ففعلا مرحلتنا الراهنة تحتم علينا الانتقال للطابع المؤسسي والتخصصي والمهني في رقابة الأداء العام لكل الفاعلين المناطين بتحقيق نفع عام ، لكن يظل الهاجس دائما في كيفية اختيار الفاعلين لمثل هذه المهمات الوطنية ، ولنا في هيئة حماية المستهلك ” نكررا ” نموذجا نبني عليه في الرقابة الإدارية والأنواع الأخرى من الرقابة ، فمن يفشل يجب ان يقال .. ومن ينجح له البقاء .. والوطن فوق كل اعتبار، وهذا نهج المرحلة المقبلة اذا ما اردنا لخطط واستراتيجيات بلادنا ان تحقق في اطرها الزمنية المخطط لها ، واذا ما اردنا كسب المجتمع ، فبدون ذلك ، قد وصل الغرور بالبعض الى ذاتية مطلقة ،وآخرون يعتقدون بأن إقالتهم مستحيلة .

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الفرصة الأخيرة وبعدها لن تكون الأوضاع والظروف كما هي عليه من قبل . الأحداث تقول هذا والمؤامرات والدسائس لن تنتهي إما ان نقضي عليها تمامآ او انها تقضي على إستقرارنا وسلامنا ووحدتنا .
    المركزية والبطء في القرارات والإستخفاف بالأوضاع والسكوت على أخطاء واهمال البعض والله ان هذا خطير جدآ وسيتعبنا كثيرآ . يسروا ولا تعسروا . وزعوا الأراضي الزراعية والتجارية والسياحية على المواطنين مالكم هكذا وكأن الذي يجري معنا لا يهمكم . والله وصلت الناس لمراحل خطيرة من الأوضاع . المشكلة ان من يسكن في بروج عالية تصعب عليه ادراك تفاصيل كثيرة . استمعوا الينا نحن ادرى بالحال نحن من يجابه الصعوبات والمحن. .
    مسؤول يقول استقطبنا استثمارات بالمليارات طيب وما هي النتيجة ؟؟ اصحاب المليارات ازدادوا غنى وحصلوا إعفائات لعشرات السنين ونحن كما نحن وبل بالعكس خسرنا بيئتنا وحصدنا التلوث ولم نستفد نحن كمواطنين شيء الا بعض الوظائف .
    التجارة الحقيقية هي التي بين ايدي المواطنين . الأجنبي حصل على اعفائات والتاجر المواطن يعاقب ويجازا ويغرم على التأخير في دفع الرسوم وعلى ابسط الأمور هو معاقب ومحاسب ومغرم . جمود في جمود وتأخير وتأخر في القرارات واهمال السوق المحلي والتاجر الوطني وتجميد الأراضي واهمالها . اسواقنا تموت بالبطيء . كثرة المعارض والقرارات والغرامات كسرت ظهورنا والله .
    تجارة الإنترنت بلا ضرائب ولا يدفعون ما يدفعه التاجر الذي يدفع الإيجارات والرواتب والكهرباء وضرائب البلديات ورسوم التراخيص وووو . والذي يشتري ويستورد عن طريق النت ينافس ويبيع بدون تكاليف .
    نفسي يوم اسمع قرار من وزير ب اعفاء او منح او مساعدة او تخفيف ابدآ . اغلب قراراتهم يمنع ويحظر ويعاقب ويغرم ولا يحق وغير مسموح وتقرر ولا يجوز .
    وصلنا من العمر ارذله ولا زلنا نبحث عن إستقرار .
    هذه حقيقة وتذكرة لمن اراد ان يتذكر ويعتبر .
    لا قوة إلا بالله العلي العظيم

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock