‏محمد الهادي الجزيري يكتب: ‏نقوش في جسد من رخام

‏نقوش في جسد من رخام
‏مليكة العمراني

‏محمد الهادي الجزيري

‏عرفتها منذ ربع قرن فتاة يانعة ..مجنونة بالشعر والأدب عموما ..وقد سررت اليوم بإصدارها الذي وصلني كهدية ثمينة..” نقوش في جسد من رخام ” وهي مجموعة قصصية بعد أن أصدرت في السنوات القليلة الأخيرة عن دار البدوي مجموعة شعرية بعنوان
‏” شرّدني الطين ذات تفاحة “..وأوّل ما لفت انتباهي في نصّ أوّل بعنوان “تقديم بقلم الكاتبة”
‏أنّها كبرت وأصبحت تدرك ما تفعله..، نصّ عفويّ صادق لا مساحيق له ..أرادت أن تصدّر نصوصها به …وقالت فيه ما كان عليها قوله ..وممّا باحت به لكلّ الناس والعالم :

‏” قرّرت أن أن أكتب قبل أن أموت، أكتب لهؤلاء ..شرفاء بلادي والعالم ..فقراؤه ..مثقّفوه الحقيقيون ممّن لم تصبهم نرجسيّة العظمة وأوهام الأنتلجنسيا الكاذبة، الحزانى الذين ” لا يمنعهم حزنهم من أن ينشدوا أغنية مع القلوب الفرحة “… إلى كلّ هؤلاء أهدي بعض التفاصيل الصغيرة من رحلتي في الخيال وفي الواقع : رحلتي في الكتابة.”

‏في الحقيقة صدقت الكاتبة في ما ذهبت إليه ..فالقصة الأولى غاية في الواقعية وعنوانها
‏” رحلة كفاح ” ولخّصت فيها كامل حياتها ( هواجسها ـ آمالها ـ همومها ) وأكاد أرى مليكة العمراني في كلّ جملة في هذه القصة ..اسمعوها وهي تقصّ عليكم هوس ” نغم ” بالمطالعة وإصرارها على االمضي قدما في مسيرتها :

‏” حين يقرأ المرء كتبا كثيرة يتعب ويصاب بلعنة في وجدانه ويصبح ينظر إلى العالم بشكل مختلف، يصبح ينظر إلى الأمور البسيطة على أنّها تافهة، ونغم كثيرا ما يعذّبها ضميرها على أخطاء ارتكبها الآخرون وتشعر أحيانا أنّها مسؤولة عن كلّ ما يقع في العالم “

‏أمّا القصة الثانية وعنوانها ” سأعيش بقلب مكسور ” فغارقة في الخيال ..تتحدّث عن امرأة تفقد مولودها في حادثة اختناق بغاز الحمام ..ونسمع أصوات أخرى كصوت الحماة المتهمة وصوت الزوج وقد تخلّى عن هدوئه ..تقول :
‏” مرّ شهران على وفاة طفلي ..أشعر بصفاء ذهني يتسلّل إلى أطرافي..قطع من الثلج تتسرّب إلى جسدي وتسري في عروقي وفي كلّ قطعة من كياني تماما كأنّي تمثال من الشمع…”

‏تواصل القاصة سردها لوقائع حدث بالفعل في حياتها وفي المجتمع الذي تعيش فيه ..، تعود بنا إلى كليّة الآداب وما كان يشغل الطلبة آنذاك ..، وتحدثنا عن شاعرة شابة كم كانت تبكي كي تغسل الشوارع والأرصفة والوطن من جرائم السلطة ..، تقول في قصّة “من أيّام حياتي”:
‏” كان أسبوعا غير عادي في حياتي ..قضيّت يوما كاملا أجوب أرصفة العاصمة وشوارعها ..أغسل الطريق بدموعي ..كانت دموعا حقيقية من القهر والمهانة..، وكنت أرى كلّ شيء بعيني، جيل كامل من الشباب المثقف يتآمر مع السلطة على تهميش الثقافة وقتل المبدعين الحقيقين ..”

‏في قصّة ” يوم في حياة بلقيس ” يورّط السرد الكاتبة في الاعتراف بحبّ الفتاة بلقيس على لسانها ..حبّ لا غيرة فيه ..حبّ لا غاية منه سوى هذه العاطفة الجياشة التي تكنّها ل” الرجل الوحيد الذي يسكن دمها رغم رحيله ورغم المسافة الفكرية التي تفصل بينهما ..” ..كثيرة هذه العواطف وعديدة هي المبادئ التي يزخر بها هذا الكتاب المبشّر بقاصّة سلاحها السرد والشعرية والصدق في الحبّ …حبّ الإنسان والأدب ..تقول في خبايا هذه القصة على لسان بلقيس : ” ..بعد أن أقسمت أن تكون طيلة حياتها كتابا من الرفض…قالت في نفسها : إنّي أمتلك ثروة حقيقية ..عليّ أن أحافظ عليها، وهذا أمر مهمّ في زمن مات فيه الإنسان الحقيقيّ وتخشبت فيه المشاعر وصارت القلوب إسمنتا مسلّحا وعليّ أن أتحمّل مسؤولية هذا الأمر..”

‏تتألف مجموعة مليكة العمراني ” نقوش في جسد من رخام ” من اثنين وثلاثين قصة وُزعت على مائة وثمانية صفحة..وقد صدرت عن دار ميّارة للنشر والتوزيع.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock