د.رجب العويسي يكتب: التعليم والثقافة: مشتركات أقوى لإنتاجية أفضل

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

ينطلق تصورنا لملامح العلاقة بين التعليم والثقافة من فرضية تعدد المشتركات التي تجمع بينهما، فالتعليم في ظل تنوع أدواته وتعدد اساليبه وغاياته وطبيعة مناهجه وأنشطته – إن أحسن استخدامها- يمتلك خاصة بناء اتجاهات الفرد والمجتمع، والثقافة بما تشكله من ذاكرة حضارية في منظومة القيم والمبادئ والأخلاقيات والموجهات الفكرية والمفردات الثقافية والفنية والتراثية وغيره، يشكلان ثنائيا متناغما في البناء الإنساني والتطوير المجتمعي، تنطبع على شخصية المواطن وقوة المجتمع، فلا يمكن أن نرجو من المواطن ثقافة تتسم بالعمق والوعي والمهنية والتسامح والتوازن والروح المعنوية العالية والمصداقية في المبدأ والقوة في التفكير، إلا إذا أدى التعليم مسؤولياته بشكل كامل في البناء الفكري الرصين القائم على الاستقلالية الفكرية والبحث والتحليل والتشخيص والنقد البناء مستفيدا من البيانات والمؤشرات والاحصائيات في الوصول إلى عمق الهدف.

ويصبح دور التعليم في البحث في المنظور الثقافي ومحدداته ونوعية السلوك المترتب عليه، منطلق لتحويل الفرد من عقدة الاستهلاك وعقم الأفكار السلبية والتفكير المجرد والنظرة الضيقة التشاؤمية للواقع، والقيود الفكرية التي ترسم للأجيال مسارات أخرى لا تتكيف مع الإطار العام، إذ في نهج التعليم الواعي ومساراته المتعددة وخططه المدروسة واساليبه المستوحاة من طبيعة السلوك الإنساني، ومساحات الذوق والايجابية التي يصنعها، نوافذ أمل ومحطات التقاء لصناعة التحول في السلوك الاجتماعي. فإن الحديث -مثلا – عن التسامح التعليمي، وتجاوز حالات التنمر بين الطلبة، وترسيخ ثقافة تعليمية معززة للتعاون والتكاتف والحب وتحمل المسؤولية وتقاسم المسؤوليات والشراكة مع المجتمع، إنما هي نتاج لثقافة مجتمعية تؤمن بالإيجابية والتغيير وتضع محور اهتمامها الفرد باعتباره أولوية للتعبير عن صورة التمازج الثقافي والتعليمي، وتقاسم المؤسسات التعليمية والثقافية مسؤوليتهما في التنشئة الاجتماعية السليمة والتربية الأخلاقية، وتحقيق التوازن الفكري والمهاري والوجداني في بناء شخصية المتعلم، وترقية دور الاسرة والوالدين والجيران والاعلام والرفقاء وغيرهم.

على أن الحاجة إلى هذا التناغم تزداد اليوم أكثر من أي وقت مضى في ظل تدخلات العالم الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي والتي فرضت على التعليم والثقافة، سياسة الأمر الواقع في التعامل معها، ومسؤليتهما في تبني آليات للتقييم المستمر والتشخيص الواعي للمتغيرات التي باتت تشكل شخصية النشء، وانعكاساتها على الحالة المجتمعية ذاتها، وقدرة الثقافة بقيمها ومبادئها وأخلاقياتها على ضمان فاعلية النسق التعليمي، بحيث تعكس الممارسة التعليمية والتفاعلات الحاصلة في الصف الدراسي وبيئة التعليم المدرسي والجامعي صورة مصغرة من التحولات التي يعيشها المجتمع والطموحات المرغوبة من أبنائه، وعلاقة ذلك بتأصيل الهوية وقيم الإيجابية والمواطنة ومنظومة الحقوق والواجبات والمسؤوليات والولاء والانتماء وغيرها، باعتبارها نتاجات ثقافية لقدرة التعليم على تحويل المبادئ الثقافية إلى إطار عمل ومعايير حاكمة في سلوك المتعلمين من خلال مناهج التعليم وأساليب التعلم وطرائق التدريس ودور الممارسين.

وبالتالي فإن الدور المأمول من النسق التعليمي، لا يقتصر على ترجمة وتفسير وتحويل القيم والمبادئ والأطر الثقافية المجتمعية، إلى محطات عمل لرسم شخصية المتعلم وفهم السلوك الاجتماعي والوصول إلى إدراك حقيقي للحقوق والواجبات والمسؤوليات التي عليه ان يمارسها ويلتزم بالأحكام والقواعد التي حددها النظام الأساسي للدولة والتشريعات النافذة ، بل أن دوره يتعدى ذلك في إعادة الإنتاج الثقافي للثقافة الوطنية بطريقة أكثر رصانة ومهنية وقدرة على تحويلها إلى مشروعات حياتي، يجد المواطن فيها طريقة لبناء المجتمع ومشاركته في رسم خطوط الانتاج ومسارات الأداء، إطارا لاستقراء ثوابت العمل الوطني وأولويات الدولة وتوجهاتها، والمبادئ التي تعمل عليها السياسات الوطنية في مجالات الاقتصاد والسياسة الداخلية والخارجية، ويؤسس لمرحلة متقدمة من حضور المواطن في كل محطات المسؤولية والإنتاج، كونها مدخلات لقراءة منظور التحول الذي تصنعه الأسرة والمدرسة والجامعة ، وتبنيه الأنشطة التعليمية والنادي الرياضي والثقافي والاجتماعي، ويؤسسه نشاط الطالب في بيئة التعليم وإنجازاته ومبادراته التطوعية في المجتمع، وتظهر حميمية احترامه للمعلم وتقديره للعلم، في احترام والديه وتقدير الأسرة وتحقيق التوازن العاطفي في سلوكه اليومي، كما أن قدرة المتعلم على الاختيار الواعي من بين بدائل متعددة في مساره الدراسي والمهني ، واختيار هواياته وبناء طموحاته واستعداداته، وفتح المجال له للتعلم الذاتي والممارسة التأملية في الحياة، والاستفادة من وسائط التعلم المختلفة، وتنظيم الوقت والاهتمام بالأولويات والنقد البناء والريادة والابتكار، موجهات ترتبط بمستوى المرونة التي يبديها المجتمع في عمليات التوجيه والرعاية لأبنائه، وحفزه المستمر لهم والثقة في قدراتهم، فتنعكس على شخصية المتعلم وحضوره الفاعل في المواقف الأسرية والمجتمعية، ودخوله في مشروعات اقتصادية وغيرها.

من هنا تبقى مسألة توظيف هذه المشتركات، مرهون بمدى التوسع في بناء منصات الحوار وامتداد جسور التواصل وعمق مسارات النقاش في صناعة التزام مجتمعي نحو توظيف فرص التناغم والتكامل بين التعليم والثقافة لضمان قدرة الأجيال على التعامل مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة والمعطيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تلقي بظلالها على واقعهم المعاصر، وقدرة التعليم على استقراء مكونات البعد الثقافي وما يحمله من فرص التغيير، ويؤسسه من قيم الإنتاجية التي تنعكس على شخصية المتعلم، فيقوى حضورها في المدرسة والجامعة وينمو في أروقتها وبرنامجها اليومي وأنشطتها ومناهجها ونظام عملها، كما يعمل على إعادة انتاج المفردات الثقافية وتمكينها من النمو والتطور والدفع بها في خدمة التنمية وتطوير المجتمع، واكتشاف الرصيد الفكري والابتكاري والابداعي والمواهب والاستعدادات التي يمتلكها جيل المتعلمين، وتشجيع وجود أنموذج متزن للحراك الثقافي والفكري داخل المدارس والجامعات ومن خلال أنشطة المسرح والفنون التشكيلية والحرف الشعبية، والاعلاء من شأن مفردات التراث المادي وغير المادي، وصناعة القدرات الثقافية من شعراء وكتاب ومسرحيين وممثلين ومنشدين ومفكرين وملهمين في منصات التواصل الاجتماعي وغيرها من العناصر الثقافية، وما تولّده هذه المفردات من نضج فكري وتشارك معرفي، يعزز من قيم التعددية والتسامح والحوار والتشارك وتقدير الجهد الإنساني، واحترام الثقافة الوطنية ورموزها العظيمة وتقدير إنجازها في مختلف المجالات، فهل ستتجه المهمة القادمة للتعليم والثقافة في تقوية مشتركات العمل بينهما، لضمان تحقق معايير منافسه أفضل في المنتج الفكري والثقافي لأجيال الوطن، تحفظهم من الاغتراب القيمي والأخلاقي، وتؤسس فيهم فضيلة الهوية وسمة التوازن للعيش في عالم متغير وعوالم متغايرة؟

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock