محمد الهادي الجزيري يكتب: حكايات تحت أشجار القرم لـ عبدالرزاق الربيعي

‏حكايات تحت أشجار القرم
‏ ” تأمّلات في صور من الحياة “

‏لعبد الرزّاق الربيعي

‏محمد الهادي الجزيري

‏لقد لخّص الأستاذ عبد الرزّاق الربيعي فكرة الكتاب ودوافعه وجملة أسبابه في”عتبة الكتاب” التي هي عبارة عن تقديم لهذا الإصدار الجديد..، وبيّن ما دفعه لاختيار أهمّ نصوصه وجمعها في هذا المتن الذي عنونه ب ” حكايات تحت أشجار القرم ” ..وممّا ورد في كلامه:

‏” بعد سنوات طويلة، وخبرات وظيفية متراكمة، ومشاهد يومية، داخل دواليب العمل الصحفي في الأقسام الفنية، والثقافية بالصحافة اليوميّة، وكنت خلال ذلك أدوّن أهمّ ما أراه، وأقرأه، وأسمعه، ارتأيت أن أضع تلك التجارب، والمشاهد التي تراوحت بين صور عدّة من الإبداع، والإنتاج، في مقالات نشرتها في صحف، ومجّلات، حاولت اختيار بعضها، ووضعه بين يدي القرّاء، ليستنيروا به في دروب الحياة…”

‏حكايات لها مغزى وحكم ومعان كثيرة، فمنذ البداية تجد نفسك أيّها القارئ أمام موضوع يهمّك دون غيره ..ألا وهو طول العمر ..فتقرأ عن معمّرين بلغوا مائة سنة وتجاوزوها وتجد الأسباب لذلك ..فمنها الضحك والنظام الغذائي وممارسة رياضة المشي ..، ثمّة مواضيع هامة تطرّق إليها الربيعي ..ومنها المقالة التي عنوانها ” أميتاب وحراب التطرّف ” وفيها تحدّث كاتبنا عن العنف الغريب الذي نشهده في أكثر من بلد بدعوى نشر الهدى والتقوى وقد ذكر حادثة وقعت في عمان في النصف الأول من القرن الماضي للدلالة على رحابة صدر أولي الأمر منّا وتسامحهم مع الأديان الأخرى ..ونظرا لأهمية الحادثة أنقلها كما جاءت في الكتاب :
‏”الدكتور ( ويلس توماس ) وصل عمان عام 1941م، لا ليتذكّر مطرح التي حبا على ترابها، عندما كان والده يعمل طبيبا فيها، ولا للعمل طبيبا، بل كان له هدف آخر، هو نشر الديانة المسيحية في مناطق عمان، وقد صرّح بذلك، ولم يتنصّل عن كونه من التبشريين، بل كان يجهر بذلك ، حتّى بلغ صيتُه مسامع الإمام ( محمد بن عبد الله الخليلي ) ، فاستدعاه إلى مقرّه بقلعة نزوى،…( رشّوا علينا ماء الورد، بينما كان هذا يجري وجّه إلينا ( الإمام ) عدّة أسئلة عن هدفنا من مغادرة بلادنا للعيش، والعمل في مسقط، وعندما أجبناه بأن يسوع، ونحن من أتباعه، أمر أتباعه بالذهاب إلى كلّ الأمم لتعليم مبادئه، وعلاج المرضى، ومشاطرة كلّ الناس الأنباء الطيبة الواردة من الإنجيل، قال لنا الإمام : هل تؤمنون أنّ الله سبحانه وتعالى واحد؟، قلنا: أجل، قال: نحن نعتقد أنّكم على خطأ في بعض معتقداتكم، ولكنّنا نحترمكم لأنّكم تخشون الله، ومن ثمّ، فإن في استطاعتكم أن تمضوا في أرضنا بسلام، لعلّ الله يهبكم الهداية والحكمة لشفاء المرضى، وسأرسل دليلا آخر لكي يصحبكم إلى المرضى “

‏ويواصل الربيعي الخوض في مواضيع تهمّ القارئ منها ما يمسّه عن قريب وما يلاحظه عن بعيد ..فنقرأ مثلا عن ” أداء الشعر على المسرح ” وفيها تطرّق إلى أهميّة وسلطة الإلقاء بالنسبة للشاعر..لما يمنحه من قدرة على الإقناع والإنصات واللعب بالكلمات…، ثمّ تحدّث الكاتب عن مواضيع أخرى مثل:
‏ـ صخرة الإرادة : عن أشخاص قاوموا شللهم وعجزهم بقوّة العزيمة والإيمان والصبر …
‏ـ السائر فوق العشب : عن دور المعلّم وقيمته في مجتمعنا وفي الغرب ..وهنا أقتطع هذه الفقرة من المقالة …
‏” هذه المنزلة الرفيعة التّي كان يحتلّها المعلّم لم تتوقّف عند الأقدمين، بل امتدّت إلى السبعينات من القرن الماضي، حيث ظلّت شخصية المعلم تمتلك ” كاريزما ” وله هيبته، وتقديره من قبل الكبير قبل الصغير، وكان حلمنا الأكبر أن نصبح معلمين حين نكبر، لكن بساط الهيبة بدأ ينسحب من تحت أقدام المعلّم شيئا فشيئا، ابتداء منذ الثمانينات، بسبب تراجع العملية التعليمية في المجتمع، وصعود نجم المال…”

‏في الحقيقة كتاب ” حكايات تحت أشجار القرم ” متن متعدّد المشاغل مثل الحياة تماما، من ذلك مثلا شخصية ” خدرو ” مجنون دهوك وباعث الفرح في شوارعها ..فللحديث عنه تطرق الكاتب إلى مواضيع مشابهة مثل رواية ” عرس الزين ” للطيب صالح وفيلم باب الحديد للمخرج الكبير يوسف شاهين..، خلاصة القول إنّ الحديث عن ” خدرو ” فتح ذاكرة الربيعي وعرضها للناس وهذا من كنوز النثر…..

‏ هذا قليل من كثير ..من كتاب صدر مؤخّرا لعبد الرزاق الربيعي ..أردت أن أقدّمه لقرّاء أثير ولم أستطع الخوض فيه أو الإلمام به ..نظرا لضمّه ما يقرب لخمسين مقالة اجتماعية سياسية ثقافية ..وهذا نبذ قليل من كتاب ” حكايات تحت أشجار القرم ” ..لعلّه يدفع القارئ أينما كان لمحاورته واستفادة منه وبه.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock