ناصر الحارثي يكتب: كيف انتشلت الصين 700 مليون صيني من الفقر؟

ناصر بن جمعة الحارثي

تتباين أساليب وأدوات الشعوب في تحقيق طموحاتها ورغبتها في التقدم والتطور وتجاوز التحديات، وكلما كانت الصعوبات أكبر تطلب الأمر همما أكبر أو الاستسلام المذل للواقع المرير، ولقد أقيم قبل بضعة عقود من الزمن مؤتمرٌ في إيطاليا حول الفقر ونقص الغذاء الذي يعاني منه شعوب العالم ومنها الشعب الصيني، وقد توصل المؤتمر إلى نتيجة مفادها أنه من المحال انتشال 700 مليون صيني من الفقر المدقع لأنه رقم قياسي ولا يملك العالم القدرة على توفير الغذاء لهذا العدد الضخم من المواطنين.

ولكن الإرادة الشرقية كانت أقوى من كل التكهنات الغربية، خاصة وأنها انطلقت من نظريتها المبنية على أنه “إن أردت الغنى والثراء، فعليك بإصلاح الطريق والبناء”، لذلك من أجل هذا المبدأ قامت الصين بعدد من الإصلاحات الاقتصادية من أهمها التنازل عن الكثير من المبادئ الشيوعية واستخدام كل أساليب الرأسمالية التي تدعم إنشاء الطرق والبناء بطريقة انتقائية يقرها الحزب الشيوعي الحاكم، وانطلقت فلسفة النهضة الإصلاحية بالتعمير وشق جسور التواصل لتحقق أحد أهم مبادئ الشيوعية وهو الصين الواحدة وزيادة رقعة المدن وتأسيس أحدث وسائل النقل وبالتالي توفير كل الاحتياجات للمواطنين، فلا تستغرب حينما تشتري إحدى حاجياتك عن طريق التسوق الإلكتروني يعلمك الموقع في أي مدينة وصلت مشترياتك وكم تحتاج لتصل إلى منزلك، كما أن الصين في سبيل تطوير قطاع النقل ليخدم كافة القطاعات يوجد في المناطق النائية قطار ينقل المواشي والمحاصيل الزراعية والمواطنين في الآن ذاته، كما أن الحكومة الصينية من أجل الإعمار والبناء تهدم المعالم الدينية من مساجد وكنائس والمناطق السكنية معتمدة على أن مصلحة الاقتصاد والبلد فوق أي مصلحة كانت.

ونجد أن هذا النموذج الاقتصادي الذي تتبعه الصين داخليا في انتشال مواطنيها من الفقر، تستخدمه أيضا في مشروعها الكوكبي “الحزام والطريق” حيث شقت الصين بنفسها ومن ميزانيتها العديد من الطرق البحرية والموانئ والمطارات والقطارات في عدد من دول العالم وذلك لغاية أسمى وموارد وثروات اقتصادية وتجارية أكبر، فكما أن العملية حققت نجاحات غير مباشرة في الصين ستحقق أيضا الكثير من النجاحات خارج الصين، فعندما يوجد طريق لن يقف الإنسان عاجزًا وسيكمل مسيرة الأخذ والعطاء، لذلك جاءت المبادرة الصينية “طريق واحد حزام واحد” لإدارة الحركة الاقتصادية في كل من آسيا ودول المحيط الهادي، بغض النظر عن الأنظمة التي تدير تلك الدول وكبديل أفضل عن اتفاقية التجارة الحرة للولايات المتحدة الأمريكية، ويتمثل ذلك في أن الاتفاقية الأمريكية تعاني من إشكاليات في الولايات المتحدة من خلال التشكيك في خدمتها للاقتصاد الأمريكي، بينما المبادرة الصينية مدعومة بالكامل من الحزب الحاكم ويمكن لدول العالم الثالث أن تشارك بها بسهولة، كما أن المشاركة في المبادرة يسهم في تطوير موانئ الدول والبنية التحتية واللوجستية، مما جعلها مبادرة تثير لعاب أكثر من 70 دولة لتشارك فيها دون أي تردد.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock