د. عبدالله باحجاج يكتب: عام جديد.. وتمنيات الوطن لمواطنيه

أثير – د. عبدالله باحجاج

ليس عندنا وطن آخر غير هذا الوطن الذي غرس الله جل في علاه، حبه في قلوبنا وعقولنا، وجعله في مجرى الدم يصنع مشاعرنا وعواطفنا، ويتحكم في أفعالنا ويضبط ردود أفعالنا، مشاعر وعواطف صنعها الوطن بتاريخه وحضارته، وتوارث أجياله عبر مسيرة طويلة متجذرة في الأنساب داخل هذا الوطن الكبير، ومشاعر وعواطف صنعها الوطن من مسيرته الحديثة التي رسخت العيش المشترك بين أفراده وجماعاته ومناطقه، وعززت حب الوطن بولاءاته وانتماءاته.

لذلك نقول، ليس لنا غيرك يا وطن حتى نشعر بدفء أمنه وأمانه، وطمأنينة استقراره، سنختلف على أي شي “وهذه سنة كونية” إلا أن يمس هذا الوطن في هوائه أو مياه أو ثرواته أو وحدته أو تعايشه.

لذلك فديمومة أمنه واستقراره من كبرى تمنياتنا، وسلمه المجتمعي ومنظومة الأمان التي يستظل بها مواطني هذا الوطن من أعظم أحلامنا، وعلى قدر الأحلام والتمنيات تكون الإنجازات، وهذه تمنيات وطننا لمواطنيه، وهم اليوم يدشنون عام جديد، بتحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة، قد يختفي العدو في الصديق، والصديق في المحب.. ويتلونون في المسميات حتى يتمكنوا من استغلال ظرفيات جديدة مثل قضية احتقان الباحثين عن عمل، ووصولها اليوم إلى مرحلة جديدة، متوقعة مسبقا، لكن، للأسف من شرف بحمل الأمانة والحفاظ على الوطن في أمنه واستقراره، لم يحرك ساكنا حتى الآن، وكان بإمكانه أن يحول دون ذلك.

ولما كان شرف تحقيق الإنجازات من مسئولية البشر، فهنا يأتي الاختلاف والاتفاق من مسلمات الإيمان بهذا الوطن بثوابته سالفة الذكر، وكلما تم الإعلاء من شأن الاختلاف من أجل الوطن الآمن في سربه، والأمان في مواطنيه، كلما انعكس ذلك على ماهية الإنجازات وديمومتها.

فوطننا كما نعيشه بعواطفنا ومشاعرنا، وترتبط به أفعالنا وردود فعلنا، لن يقبل الحدود الدنيا من الإنجاز، خاصة إذا كانت هذه الحدود لن تحافظ على وطننا بثوابته وقيمه وسيادته، وعلاقته مع مواطنيه، لذلك تظل المسئول يتحملها بالدرجة الأولى، المسئولين الذين شرفوا بخدمة الشعب.

من هنا، فإن عام 2019 الذي ندشن اليوم يومه الأول، تطلعات كبيرة للوطن لمواطنيه، وتتعاظم بحجم ذلك الارتباط العضوي الجامع بينهم، وقد أصبح الآن هناك عنصر حديث يتحكم في الشعور بالمواطنة، وهو وعيهم الجديد الذي ينبغي أن يأخذ به بعين الاعتبار السياسي، وهذا الوعي الجديد قد أصبح يخلق إشكالية في المفاهيم مع الجانب الحكومي، وصل به -أي الوعي- الآن الى طرح التساؤل التالي: هل ينبغي على الشباب فقط أن يدفعوا ثمن التحولات والمتغيرات التي يشهدها دور الدولة منذ منتصف عام 2014؟

هذا الوعي قد أصبح يرى أن النمو الاقتصادي للبلاد –ولله الحمد– لا ينعكس على توفير فرص العمل لهم، وأنه يخدم الطبقات الغنية فقط، وقد تولدت لديهم قناعة راسخة أنه لو استمر الوضع كما هو عليه، ببنياته وفاعليه وسياسته، فإنهم لا ينبغي أن يراهنوا على مستقبل هذا النمو في صناعة الوظائف.

لماذا؟ لأن الوظائف الجديدة، وبالذات الكبيرة والمتوسطة  تذهب للأجانب، وتتجاوزهم، وتنحصر على أغلبيتهم الوظائف الصغيرة، دليلنا هنا قرابة (132) ألف مواطن مرتباتهم لم تتجاوز (500) ريال، ولدينا هناك الآلاف من الباحثين عن عمل، وهم في تزايد سنوي، وبالتالي، فإن مثل هذه السياسات تمس جوهر الأمان النفسي والمعيشي للمواطنين في حاضرهم ومستقبلهم، وهنا قضية استدراك عاجلة تطرح نفسها بقوة في العام الجديد لدواعي ديمومة الثوابت سالفة الذكر.

وهذا الوعي الجديد، ينفي في الوقت نفسه وجود أزمة شغل في بلاده، ويسلم بوجود أزمة فكر في التنفيذ، سواء بسبب طغيان المصالح الاقتصادية أو نقص في الوعي السياسي للنخب، ويطالب بإلحاح بتدخل السياسة الآن، من أجل إعادة الاعتبار لمجموع المصالح المتوازنة، فهذا الوعي يرى أن المواطنين هم الأولى بهذه الوظائف من الأجانب –مقال نشر أمس الأول ورقيا– وأن السياسة مطالبة الآن بإصدار قوانين ملزمة بالاعتداد بالعنصر الوطني لشغل هذه الوظائف التي يتلقى أصحابها مرتبات خيالية مقارنة بالوظائف التي المطلوب أن يشغلها المواطنين، ووعيهم –أي المواطنون– يسلم بالإحلال المتدرج المقرون بخطة تدريب مبرمجة.

ويتوفر لهذا الوعي كذلك المعلومات الصحيحة والدقيقة، بأن هناك الآلاف من فرص العمل المعطلة سواء في القطاع الحكومي وشركاته الكبيرة، ويطالب هذا الوعي من السياسة فك أسرها المغلول بسلاسل التعليمات المالية، فمثلا، هناك (80%) من وظائف الهيئة التدريسية في كليات التقنية التسع يشغلها وافدون، فلابد من تعزيز برنامج تكوين محاظر، كأن يفتح بشروط للطلبة وهم على مقاعد الدراسة لتقديم لهم دافعية جديدة على الجد والاجتهاد ولدواعي توطين هذه الوظائف.

وهناك كذلك الشواغر الناجمة عن عملية التقاعد القانونية، فمثلا مكتب وزير الدولة ومحافظ ظفار، فهناك تقريبا (130) وظيفة شاغرة وبدرجات مالية كبيرة ومجمدة، ومنذ اليوم، بداية العام 2019 أحيل قرابة (79) من كبار الموظفين إلى التقاعد، وهكذا سيكون الحال طوال السنوات المقبلة، ودرجة الواحد منهم ستوظف ما بين ثلاثة إلى أربعين من حملة البكالوريس، وقد يصلون إلى ستة باحثين عن عمل بالدبلوم العام.. وهكذا يمكن البحث عن وظائف شاغرة للباحثين عن عمل، وهى متوفرة في كل وزارة أو مؤسسة أو مركز.. وميزانيتها مجمدة عندها، لكن عليها الشمع الأحمر.

وقلنا في مقال ورقي مؤخرا أن هناك (150) ألف وظيفة كبيرة ومتوسطة يشغلها الوافدين، علينا سريعا أن نعمن منها على الأقل (50) ألفًا كمرحلة أولى وعاجلة على أن تضع برامج أخرى للمراحل التالية لتقليص العدد الى المستويات الوطنية المقبولة.

ولن يكتمل مشهدنا المسحي النوعي إلا إذا وجهنا الرؤية صوب المشاريع الاقتصادية وبالذات الصناعية ونصيب العنصر الوطني فيها كعامل وزني لا يقل أهمية عن مداخله المالية لخزينة الدولة، وهذه التوجهات لا ينبغي أن تكون اختيارية، بمعنى تترك لكل شركة أو وزارة أو مؤسسة أكاديمية، بل ينبغي أن يكون هناك مؤسسة مناط بها تجسيد هذه الأحلام والتمنيات، ويكون هو المسئول الوحيد عن قضية الباحثين، من حيث تشغيل تراكمهم  والتخطيط في استيعاب أعدادهم السنوية المستقبلية، ودراسة احتياجات السوق العماني كل سنة، والتنسيق مع مؤسسات التعليم العالي في توجيه التعليم نحو الحاجة الفعلية للسوق، ومراقبة عمليات التوظيف.

وإذا ما أخذنا برؤية الوطن الجديدة في توفير العمل لمواطنيه، فإن الاستفادة من تجارب توظيف 2011 ينبغي أن تكون حاضرة، فالعشوائية، تدفع ثمنها الآن الوظيفة العمومية والحكومية، ولم تذهب في أغلبها لمستحقيها، لذلك، لابد من فتح الملف الاجتماعي لكل شاب وبصورة شفافة وبمعايير معلنة.

ومنذ ساعات الصباح الأولى للعام الجديد، تفرض قضية الباحثين عن عمل نفسها في تمنيات الوطن لمواطنيه، والعلة تكون دائما في نفس السياسات والآليات تنتج قضية الباحثين، لذلك فالمرحلة الجديدة مهما كانت معالجتها لقضية الباحثين عن عمل، لابد أن تقترن بإعادة النظر في الفاعلين والكوادر والأطر التنفيذية بصورة عامة وشاملة، فمن نجح منهم ينبغي أن يظل، ومن يكرس الفشل، فعليه المغادرة فورا في ظل إعادة النظر في الهيكل الإداري العام للدولة وبقية الهياكل الأخرى من منظور مدى فاعليتها وقدرتها على مواجهة التحديات لتحقيق تمنيات الوطن لمواطنيه، والمواطنين للوطن.

والوطن فيه خير، وخيريته لابد ان تنعكس على مواطنيه، وهذه الآن فرصة مواتية جديدة لتصحيح الاختلالات البنيوية في الأداء وفي الهيكل الإدري.. ونتطلع قريبا لأطر وكوادر تحقق للوطن التمنيات لمواطنيه، وتحافظ على أمنه واستقراره وقوة شعبه، وهذه مسئولية المواطنين كذلك، فالقصور في الأداء الحكومي في هذه القضية لن يعطي المبررات للمساس بالوطن، ولن نصل إلى هذا الجنون بمشيئة الله، ولن نقف مع أية حالة جنون، رهاناتنا هنا على علاقة المواطن بوطنه، والوطن بمواطنيه، فليس لدينا وطن آخر نحبه مثل وطننا، ونحرص على ديمومة أمنه واستقراره رغم كل الظروف التي مرينا بها أو سنمر بها، فأعمال العقل من اليوم، هو شعار عنوان العام 2019.

لذلك نتمنى أن نسمع خلال الساعات القليلة المقبلة الإعلان عن المركز الوطني للشغل، وجعل عام 2019 عاما لشغل الشباب العماني من منظور الرؤية التي قدمناها باختصار، وشرحناها في مقال ورقي أمس الأول معنون باسم “الوظائف للعمانيين أولا” لكن بشرط أساسي وهو أن يكون رئيس هذا المركز شخصية وطنية مشهورة وتحضى بثقة الوطن مع مواطنيه وخاصة الشباب، وهناك فعلا أسماء تتوفر لها هذه الأهلية الجامعة.. حفظك الله يا وطني في أمنك واستقرارك، وقيض الله لمواطنيك من يدير شئونه لتحقيقات تمنياتك لهم في عام جديد، فيه أسوأ السيناريوهات تتكشف منذ إشراقة فجره الأول.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock