‏محمد الهادي الجزيري يكتب: أمنيات ذئب متقاعد

محمد الهادي الجزيري

‏بما أنّي مؤهلّ للشفاء التام بعد مرور هذا البرد المسمّى بالشتاء ، وبما أنّي محاط بعديد الأصدقاء الطيّبين المنتظرين منّي تحيّة صادقة بمناسبة مرور هذه السنة بحلوها ومرّها بعذاباتها وأفراحها ..أتمنّى من كلّ قلبي السعادة والسكينة لكلّ من أعرفهم وكلّ من لا أمتّ لهم بصلة ..يا ربّ اجعل هذا العام مباركا وفرحا وجميلا على الجميع …

‏وليكن النجاح حليفنا جميعا خلال هذه السنة الجديدة.. ، دون استثناء الأعداء طبعا، فمن حقّي على نفسي أن أفرض عليها هدنة قصيرة ومن واجبها أن تتعرّى قليلا للآخرين ليدركوا أنّ الحبّ طبيعتها ، والطبع يغلب التطبّع، الصراع سيتواصل حتما فالوجود مبنيّ عليه، ولا شيء يدور خارج حلبة الصراع وإن اتخذ أشكالا مستوحاة من الحمام ولبس الأبيض مثل جثّة استسلم صاحبها لمخالب الغياب….

‏أعتقد أن لا خلاص للإنسانية ممّا تعانيه من حروب وغزوات متبادلة وتكالب على الأخضر واليابس إلاّ باعتناق الحبّ والإيثار، نعم الإيثار… ، بي وعي حادّ أنّ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ، لكنّه يتميّز على بقيّة الوحوش بقدرته على تجاوز ذئبيته إذا أراد ذلك، ولقد أسهبت في تفصيل هذه المسألة في طيّات روايتي ” جنّة الذئب ” وها إنّي أكرّر النداء: لنعتصم بالحبّ والإيثار رجاء ولندجّن الذئب الكامن في الإنسان، لنقيّد شهوته ونكبح جشعه ونعوّضه عن خسائره الباهظة بلذّة العطاء والرحمة والرفق بمن حوله من ذئاب طيّبين ، وما هم بطيّبين ، لكنّهم لم يجدوا الوسيلة والقدرة على الجور والإيذاء والضمّ واللمّ ، ما أصدق وأفصح بيت الكبير المتنبي طبعا:

‏ ” الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفّة فلعلّة لا يظلم ”

‏لست بصدد محاولة النيل من الإنسان وتشويه سمعته، فهي مخجلة أصلا، وقد اكتسبها عبر سفره الطويل من الكهف إلى الكوخ إلى البيت إلى القصر…، مجازر لا تحصى وانتهاكات مثل حصى الوديان واغتصاب دؤوب للعرض والأرض وكلّ ما يقع في مجال عينيه ، أو ما يصل إلى أذنيه من أخبار عن ولائم الكوكب المشتعل، أريد فقط أن أتصالح مع جميع إخواني الذئاب المنضوين تحت لواء عائلتي والحيّ الشعبيّ الذي أكمن في أحد بيوته، والمنتمين إلى وطني وأمّتي والإنسانية جمعاء …، يا إلهي كم سأصارع من ذئب في هذا العبور الاضطراري المسمّى : حياة…..

‏ اسمعوا وعووا ……لن تأخذوا معكم إلى ضيق القبر غير الوهم مثل الملايين ممّن سبقوكم ، يا جماعة ، يا إخوتي الذئاب ، والله ثمّ والله إنّ هذا الكوكب التائه بين المجرّات يتّسع لنا جميعا، بشرط أن نحدّد سرعة الغضب وأن نوقف محرّك الشهوة ونجلس إلى الحبّ من حين إلى آخر ، تعالوا نجرّب الحبّ والإيثار، وثقوا أنّ فيهما لذّة عظيمة، أليس ديدنا الفوز باللذة منذ كنّا، فلنجرّب لذّة أخرى ، لعلّها جديدة بالنسبة للأغلبية الساحقة ، كما يقال في فرز الأصوات الانتخابية، ثمّ ألم نملّ بعد لذّة البطش والقتل والاغتصاب وغيرها من اللذّات التي تجاوزت جميعها تاريخ صلوحيّة استهلاكها، تسمّمنا يا خلق ولكن ما زال فينا نبض من أمل، نبض يزداد قوّة ووضوحا كلّما حلّ عام جديد…، لماذا إذن لا يدوم كرمنا وإيثارنا وعطفنا على الآخرين على مدار السنة ، لنحقّق إنسانية هذا الكائن الذئبيّ الرهيب… والجميل في الآن نفسه … ، لننتصر أيها الأدباء والمبدعون لأخينا الإنسان …

‏ وآخر تنهيداتي هي أنّي مشتاق وبي حنين شرس إلى أمّي، تلك الشجرة الحانية التي انتهت قبرا واجما، زاده البياض حيادا، أين منّي وجه أمّي، بسمتها الأصفى من الصفاء، عتابها لي آخر الليل وتحفيزها للشاعر القانط كلّ صباح، أين منّي حضنها وغناؤها وهي تهدهدني أنا الطفل والشاب والكهل، لم أعرف اليتم يوم غاص أبي الرحيم في التراب، واليوم تشهد كائناتي وأشيائي أنّي اليتيم ……….

‏ وأيضا أنا مشتاق إلى القصيدة .. لم تزرني منذ ليال طويلة ، ومع ذلك مازلت أحبّها وأحبّ من تحبّه ويحبّها ، ما زلت أهذي من حنين وحمّى :

‏” أيها الشعراء
‏قد انتصف الليل ولم تأت قصيدتي بعد
‏أحدس أنّها تخونني مع أحدكم
‏وأرجو أن يكون فحلا “

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock